وجه العبادة من بعضهم لبعض، قول أعشى بني ثعلبة:
فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الكَرَى ... سَجَدْنَا لَهُ وَرَفَعْنَا العَمَارَا (١)
فكانت تحية من قبلنا، كان يحيي بعضهم بعضًا، فأعطى الله تعالى هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة كرامة من الله ﵎ عجلها لهم نعمة منه، فسجودهم جارٍ مجرى التحية والتكرمة كالقيام، والمصافحة، وتقبيل اليد، ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير. (٢)
الوجه الرابع: هذا السجود كان تحية لا عبادة، وقد نسخ ذلك في شريعتنا.
قال ابن العربي: قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَانَ هَذَا سُجُودَ تَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ سَلَامُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ الِانْحِنَاء، وَقَدْ نَسَخَ الله فِي شَرْعِنَا ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْكَلَامَ بَدَلًا عَنْ الِانْحِنَاءِ وَالْقِيَامِ (٣).
قال القرطبي: وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة (٤).
قال ابن كثير: وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فحرم هذا في هذه الملة، وجُعل السجود مختصًا بجناب الرب ﷾، هذا مضمون قول قتادة وغيره (٥).