وكما قالت عائشة زوجه ﵂: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، إنما كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ العاد لَأَحْصَاهُ (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ: "كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ" (٢).
ولذلك فقد كان الصحابة ﵁ يحفظون كلامه وأفعاله، وكان ذلك أمرًا يسيرًا عليهم، وكان من الصحابة من يكتب ما يسمعه من رسول الله ﷺ: كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، إلا أنَّ غالب الصحابة كانوا يحفظون ولا يكتبون.
الوجه الثاني: حفظ السنة على أنواع.
اعلم أن حفظ السنة قام على أمرين أساسيين:
الأول: حفظ الصدر. الثاني: حفظ الكتاب.
وقد حث النبي ﷺ صحابته على كلا الأمرين فمن ذلك:
قوله ﷺ: "نَضَّرَ الله امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" (٣).
فدعا ﷺ بالنضرة لمن سمع شيئًا - وشيئًا نكرة في سياق الإثبات فتدل على الإطلاق - فبلغه على وجهه كما سمعه من النبي ﷺ، ثم حث السامع على تبليغه والعمل به بقوله: "فرب مبلغ أوعى من سامع" ففي هذا النص حث على حفظ الصدر، وضبطه ضبطًا صحيحًا حتى يؤديه كما سمعه، وحث على رواية الحديث؛ نشرا للعلم.
٢ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شيء أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُول الله ﷺ؛ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شيء تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضبِ وَالرِّضَا؛ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول الله ﷺ؛ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: "اكتُبْ فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ". (٤)