وهذا المس أن يَطْعَن الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِين يُولَد، غَيْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم ﵇ ذَهَبَ يَطْعَن فَطَعَنَ فِي الحجَاب" (١)، أَيْ: فِي المَشِيمَة الَّتِي فِيهَا الْوَلَد، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا الطَّعْن مِن الشَّيْطَان هُوَ اِبْتِدَاء التَّسْلِيط، فَحَفِظَ الله مَرْيَم وَابْنهَا مِنْهُ بِبَرَكَةِ دَعْوَة أُمّهَا (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسولَ الله ﷺ قَالَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ؛ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقدْ، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ" (٣).
عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أَوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ" (٤).
قالَ اِبن قُتَيبة: مَعْنَاهُ: أَفْسَدَهُ، يُقَال: بَالَ فِي كَذَا إِذَا أَفْسَدَهُ، وَقَالَ المُهَلَّب وَالطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ: هُوَ اِسْتِعَارَة وَإِشَارَة إِلَى اِنْقِيَاده لِلشَّيْطَانِ وَتحَكُّمه فِيهِ وَعَقْده عَلَى قَافِيَة رَأْسه: عَلَيْك لَيْل طَوِيل وَإِذْلَاله، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اِسْتَخَفَّ بِهِ وَاحْتَقَرَهُ وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ، يُقَال لمِنْ اِسْتَخَفَّ بِإِنْسَانٍ وَخَدَعَهُ: بَالَ فِي أُذُنه، وَأَصْل ذَلِكَ فِي دَابَّة تَفْعَل ذَلِكَ بِالْأَسَدِ إِذْلَالًا لَهُ، وَقَالَ الحرْبِيّ: مَعْنَاهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَسَخِرَ مِنْهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره، قَالَ: وَخَصَّ الْأُذُن؛ لِأَنَّهَا حَاسَّة الِانْتِبَاه (٥).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَهُ وَقَالَ: بِسْمِ الله اللهمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ" (٦).