فَكَانَ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ بِذَلِكَ هو آخِرُ ما كان منه ﷿ مِمَّا جَادَ بِسَبَبِهِ بِالْغُفْرَانِ لِلْمُصَلَّى عليه من المُؤْمِنِينَ بِشَفَاعَتِهِمْ، وكان خَبَرُ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مُتَقَدِّمَيْنِ لِذَلِكَ. فقال: وَلمَ حَمَلْتَ ذلك على ما ذَكَرْت ولم تَحْمِلْهُ على أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ هُمَا المُتأَخِّرَانِ وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ هو المُتَقَدِّمُ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا له عن ذلك بِتَوْفِيقِ الله وَعَوْنِهِ: أَنَّ الله تَعَالَى ليس من صِفَتِهِ أَنْ يَجُودَ بِغُفْرَانٍ بِمَعْنًى ثُمَّ يَرْجِعَ عن الْغُفْرَانِ بِذَلِكَ الْمعْنَى، وقد يَجُوزُ أَنْ يجودَ بِالْغُفْرَانِ بِمَعْنًى، ثُمَّ يَجُودَ بِالْغُفْرَانِ بِأَقَلَّ من ذلك المعْنَى وَبِأَيْسَرِهِ على خَلْقِهِ الَّذِينَ جَادَ بِذَلِكَ عليهم، فَبَانَ بَما ذَكَرْنَا الْوَجْهُ الذي جاء منه اخْتِلَافُ الْعَدَدَيْنِ في الآثَارِ التي رَوينَاهَا، وَالله نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ (١).
ومعنى ذلك: أنه ليس هناك تناقض بين الأحاديث؛ فإن العدد جاز أن يكون أولًا مائة، ثم مَنَّ الله تعالى على الأمة بفضله فجعله أربعين، وجائز أن يكون عدد الصفوف الثلاثة أربعين، وجائز أن يقل عن هذا العدد، وعندئذ تتضافر الروايات ولا تتنافر، والله أعلم.