أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: "وَمَا ذَاكِ". قَالَتْ قُلْتُ لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُما قَالَ: "أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي، قُلْتُ: اللهمَّ إِنَّمَا أَنَابَشَرٌ فَأَيُّ المسْلِمِينَ لَعَتتهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا" (١).
وفي هذا الحديث تلفظ النبي ﷺ باللعن، وذلك لوجوه:
١ - أن هذا التلفظ مما جرت به العادات: أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل كَلَامهَا بِلَا نِيَّة، كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينك، عَقْرَي حَلْقَي وَفِي هَذَا الحدِيث "لَا كَبِرَتْ سِنّك" وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة "لَا أَشْبَعَ الله بَطْنك" وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء (٢).
٢ - أن هذا حكم بالظاهر، وإن لم يكن صاحبه يستحق ذلك في الباطن.
فقد يكون الملعون لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد الله تَعَالَى، وَفِي بَاطِن الْأَمْر، وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ، فَيَظْهَر لَهُ ﷺ اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة، وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَهُوَ ﷺ مَأْمُور بِالحكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَالله يَتَوَلَّى السَّرَائِر (٣).
والأحاديث في الدلالة على ذلك كثيرة، اكتفى منها بما روى عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد، يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ﷺ: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم " (٤).
ففي قوله: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" دلالة على ما