وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]، أيضًا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ... ﴾ [فاطر: ٣٢].
فهكذا ههنا نبه العرب واليهود كليهما على ما دخل فيهما من الفساد، وسيأتيك بعض بيانه في أواخر هذا القسط.
فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، يدل بظاهره على أن المراد به ذكر ذرية إسماعيل وإسحاق ﵉، فإن الأخبار بكون بعضها محسنًا وبعضها ظالمًا لنفسه كما يطابق بذرية إسحاق، فهكذا يطابق بذرية إسماعيل، والقرآن أحسن جوامع الكلم. وهذا المعني الحري بالذكر لا يظهر بصرف الضمير إلى إبراهيم وإسحاق ﵉، وذلك بأنك حينئذ إما أن تريد ذرية واحدة أي الذرية الشتركة بين إبراهيم وإسحاق ﵉، كما جاء في دعاء إبراهيم ﵇ في بني إسماعيل ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، فأراد بـ (ذريتنا) ذرية إسماعيل التي هي ذرية إبراهيم ﵇ أيضًا، فعلى هذا يصير الخبر مختصًا بذرية إسحاق ﵇ فقط، فلم يحصل المعنى المقصود، وصار ذكر ما هو الأهم متروكًا.
وإما أن تريد ذريتين: الأولى ذرية إسحاق الخاصة وهم يعقوب ونسله، وعيص ونسله، والثانية ذرية إبراهيم الخاصة به قبل ذلك، وهم إسماعيل وإسحاق ﵉ أنفسهما، فذلك لا يصح، فإن ذرية إبراهيم المخصوصة به ليس فيها ظالم لنفسه.
فالآن لم يبق لك إلا القول بأن المراد ههنا ذرية إسماعيل وذرية إسحاق، ولكن عبر عن ذرية إسماعيل بذرية إبراهيم، فنقول: هذا المعنى أظهر إذا صرف الضمير إلى إسماعيل ﵇ الذي سبق ذكره، وإلى إسحاق ﵇ الذي يتلوه، ثم قد سبق ذكرهما في قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات: ١١٣) حسبما بينا آنفًا، ثم لا داعية ههنا للتعبير عن ذرية إسماعيل ﵇ بذرية إبراهيم ﵇، ولجعلها في مقابلة ذرية إسحاق ﵇.