وروي عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ: قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ، فَنزلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١).
وقال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية أخرى عند الحاكم (فقالت خديجة)، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد (فقالت خديجة: ولا أرى ربك)، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: (فقالت خديجة: لما ترى من جزعه)، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أمَّ جميل عبرت لكونها كافرة بلفظ: (شيطانك)، وخديجة عبرت لكونها مؤمنة بلفظ: (ربك) أو (صاحبك)، وقالت أم جميل شماتةً وخديجة توجعًا (٢).
وسواءً كان القائل أم جميل أمْ المشركون أمْ خديجة ﵂ فإن رسول الله ﷺ أصابه الحزن لفتور الوحي، وكما مرَّ عند البخاري أن أمَّ جميل زوج أبي لهب - عليها لعنة الله - قالت ما قالت شماتةً، وهذا مما زاد في حزنه ﷺ، فكان نزول هذه السورة المباركة من إحدى عشرة آية ترضيةً لرسول الله ﷺ وتطييبًا لخاطره مما أصابه ورفعًا للحزن عنه، فنزلت السورة تنفي مقالة السوء التي فاهت بها الكافرة، ويقسم الله في أولها على حبه لرسوله ﷺ. فكيف يفهم من سورة هذا شأنها أن يكون فيها ما يعيب من قريب أو بعيد رسول الله ﷺ؟
الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول ﷺ، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها.
ومن ذلك أن الله بدأ السورة بالقسم، فأقسم بالضحى، ثم أتبعه قسمًا آخر فأقسم بالليل، فالله ﷿ أقسم على ماذا؟ فكان جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.