ثمّ إنّا نقول لهم بعد ذلك: إن عنيتم ما يستحسنه المجتهد بعقله ورَأْيِ نفسه من غير دليل، وذلك هو ظاهر لفظة الاستحسان، الذي حكاه بشر المريسي والشافعي عن أبي حنيفة ﵀ وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هو الصحيح عنه (¬١)، فهذا - لعمر الله - اقتحام عظيم وقول في الشريعة بمجرد التشهي وتفويض الأحكام إلى عقول ذوي الآراء ومخالفة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (¬٢). ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير.
وإن عنيتم جواز استعمال لفظ الاستحسان فأنّى ينكر ذلك والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (¬٣) والكتاب والسنّة مشحونان بذلك والقوم لا يعنون بالاستحسان ذلك فلا نسهب في الإمعان فيه.
فإن قلت: قد وقع في كلام الشافعي ﵁:
أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما (¬٤).
وأستحسن أنْ تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام (¬٥).