وقال السدي في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ زُعم أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ في سفر يخدمهما ويخف لهما وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم، وبقي سلمان نائمًا لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان أو هذا العبد شيئًا غير هذا أن يجيء إلى طعام مقدور وخباء مضروب، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إدامًا، فانطلق فأتى رسول الله ﷺ ومعه قدح له فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال ﷺ: "ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا" فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله ﷺ فانطلقا حتى أتيا رسول الله فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعامًا منذ نزلنا. قال رسول الله ﷺ: "إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما" قال: ونزلت ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ أنه كان نائمًا (¬١).
وروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختارة من طريق حبّان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر، رجل يخدمهما فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله ﷺ فقل له إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأدمانك فقال ﷺ: "إنهما قد ائتدما" فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ فقال ﷺ: "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما" فقالا: استغفر لنا يا رسول الله، فقال ﷺ: "مُرَاهُ فليستغفر لكما" (¬٢).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم، عن محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكل من لحم أخيه في الدنيا قرب الله إليه لحمه في الآخرة، فيقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًا، قال: فيأكله ويكلح ويصيح" (¬٣) غريب جدًا.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه فراقبوه في ذلك واخشوا منه ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي: تواب على من تاب إليه رحيم لمن رجع إليه واعتمد عليه.
قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ويعزم على أن لا يعود، وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه.