الله عنه بل استكشافًا عما خفيت علته، واستفهامًا لما لم يتبين سببه، وتعجبًا (١) عن رقة قلبه. قوله [فكان أبو بكر أعلمهم] وكان من علمه أنه لما سمع القصة علم أن المخير هو النبي ﷺ لأنه لا يخير بينهما إلا نبي، ولا نبي في زمانه سواه.
قوله [ولكن ود وإخاء إيمان] ولما كان سببه الإيمان كما يشعر به الإضافة إلى الإيمان كان أكملهم إيمانًا أحب إليه ﷺ وهو أبو بكر ﵁، لأنه قارب أن يبلغ الصداقة معه والخلة، وكاد أن يتخذه النبي ﷺ خليلاً.
قوله [لا تبقين في المسجد خوخة إلخ] وقد ورد (٢) في بعض الروايات:
(١) قال العيني: يعني كانوا يتعجبون من تفديته إذ لم يفهموا المناسبة بين الكلاميين، وفي الحديث الذي في كتاب الصلاة من البخاري: فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ والقائل أبو سعيد، وجاء في حديث ابن عباس عند البلاذري: فقال له أبو سعيد: ما يبكيك يا أبا بكر! فذكر الحديث، انتهى.
(٢) قال الحافظ: جاء في سد الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب، ثم ذكر الروايات التي فيها استثناء باب على من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد والنسائي بإسناد قوي، قال: وفي رواية للطبراني في الأوسط برجال ثقات قال: يا رسول الله سدت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها، ومن رواية زيد بن أرقم عند أحمد والنسائي والحاكم برجال ثقات، ومن حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي برجال ثقات بلفظ: أمر بسد الأبواب غير باب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، وغير ذلك من الروايات، ثم قال: وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضًا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وأخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرًا على بعض طرقه عنهم، وأعله لبعض من تكلم فيه، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضًا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر، انتهى. وأخطأ في ذلك خطأ شنيعًا، فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي ﵁، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري، يعني الذي أخرجه الترمذي أن النبي ﷺ قال: لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك، والمعنى أن =باب علي ﵁ كان إلى جهة المسجد، ولم= يكن =لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده، ويؤيد ذلك ما أخرجه إسمعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي ﵁ لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأول استثنى على لما ذكر، وفي الأخرى استثني أبو بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة، كما صرح في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع الطحاوي في مشكل الآثار، وأبو بكر الكلاباذي في معاني الأخبار، وصرح بأن بيت أبي بكر ﵁ كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي ﵁ لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، انتهى.