٨ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على هذا الذي اؤتمن ألا يغتر بثقة الناس به، فيفرط فيما يجب عليه من أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾؛ فأمره الله ﷾ بأن يتقي الله: قال تعالى: ﴿وليتق الله﴾، وأردفها بقوله تعالى: ﴿ربه﴾؛ ففيه فائدة - وهي أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية؛ فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبداً لله ﷾، وتقرباً له؛ وبنظره إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق، والملك، والتدبير؛ فلا بد أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية، ومقام الربوبية.
٩ - ومن فوائد الآية: إثبات ما دلّ عليه هذان الاسمان؛ وهما «الله»، و «الرب»؛ فالأول فيه إثبات الألوهية؛ والثاني فيه إثبات الربوبية؛ لأن المعبود لابد أن يكون أهلاً للعبادة؛ والرب لابد أن يكون أهلاً للربوبية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ والتوحيدان يستلزمان كمال الأسماء، والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم (ص) لأبيه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً﴾ [مريم: ٤٢].
١٠ - ومن فوائد الآية تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها سواء كان كتمان أصلها، أو وصفها؛ وسواء كان الحامل لها القرابة، والغنى؛ أو البعد، والفقر؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ... ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية.
١١ - ومنها: أن كتْم الشهادة من الكبائر؛ لوجود العقوبة الخاصة بها - وهي قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾.
١٢ - ومنها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب؛ وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (١)؛ وقوله (ص): «التقوى هاهنا» (٢) وأشار إلى صدره؛ فالتقوى في القلب، وليست في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال؛ فقد يكون الإنسان متقياً بفعله متقياً بقوله غير متقٍ بقلبه: تجده بفعله يتزيّ بزي المسلم الخالص - من إعفاء اللحية، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: «أستغفر الله»، «اللهم اغفر لي»، ويذكر الله، ويكبر؛ هذه لا شك تقوى في الظاهر؛ والغالب أنها دليل على تقوى الباطن.
١٣ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله ﷾ بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾؛ فإن ﴿ما﴾ اسم موصول؛ والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلب، وأعمال الجوارح.
إذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا - إن قيل: لمراعاة الفواصل قلنا: فالنون تأتي في الفواصل كثيراً، مثل قوله تعالى: ﴿إنه خبير بما تفعلون﴾ [النمل: ٨٨]؛ وإن قيل: للحصر قلنا: لا يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء؛ لا يختص علمه بما نعمل فقط؛ فلا وجه للحصر؛ إذاً ما الفائدة؟ .
فالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئاً - وحاشاه من ذلك - لكان عالماً بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار جاء الكلام على وجه الحصر الإضافي.
١٤ - إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله «العليم»؟ قلنا: ربما نقول ذلك؛ وقد لا نقوله؛ قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلِّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون «عليم بكذا» ليس كقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ لأن هذا قُيد: «عليم بـ ... »، فكان وصفاً، وليس اسماً؛ أما لو قال تعالى: ﴿وهو العليم الحكيم﴾ [الزخرف: ٨٤] لكان هذا اسماً بلا شك.