قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢]، " أي ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه" (١).
قال ابن عطية: " نفى النصر عنهم في كلا الحالين" (٢).
قال أبو السعود: ﴿من ناصرين﴾، "ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] " (٣).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: حبوط عمل هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا انبياءه، وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس.
٢ - ومنها ان الكفر محبط للأعمال، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
٣ - أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، اما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان، لأن الله تعالى يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
القرآن
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران: ٢٣]
التفسير:
أرأيت -أيها الرسول- أعجب من حال هؤلاء اليهود الذين أتاهم الله حظا من الكتاب فعلموا أن ما جئت به هو الحق، يُدْعون إلى ما جاء في كتاب الله -وهو القرآن- ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، فإن لم يوافق أهواءهم يَأْبَ كثير منهم حكم الله; لأن من عادتهم الإعراض عن الحق؟
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال مقاتل: نزل في"اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أوفى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نافع بن قيس، وذلك أن النبي- ﷺ قال لهم: أسلموا تهتدوا ولا تكفروا. فقال للنبي- ﷺ: نحن أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل الله نبيا بعد موسى. فقال النبي- ﷺ: لم تكذبون، وأنتم تعلمون أن الذي أقول حق، فأخرجوا التوراة نتبع نحن، وأنتم ما فيها، وهي بينكم فإني مكتوب فيها أني نبي ورسول. فأبوا ذلك فأنزل الله- ﷿ فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ " (٤).
والثاني: قال ابن عباس: " دخل رسول الله ﷺ بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث ابن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: " على ملة إبراهيم ودينه. فقالا فإنّ إبراهيم كان يهوديًّا! فقال لهما رسول الله ﷺ: فهلمُّوا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم! فأبيا عليه، فأنزل الله ﷿: ﴿ألم تَر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يُدْعونَ إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ إلى قوله: ﴿ما كانوا يفترون﴾ " (٥).
والثالث: نقل الواحدي عن السدي: "دعا النبي ﷺ اليهود إلى الإسلام فقال له النعمان ابن أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول الله ﷺ "بل إلى كتاب الله"، فقال: بل إلى الأحبار، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٦).