والثاني: أنه كان لا يأتي النساء، وهو قول وعبدالله بن مسعود (١)، وابن عباس- في احد قوليه- (٢)، والحسن (٣)، ومجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، وعكرمة (٧)، وعطية (٨)، وجابر بن زيد (٩)، وابن زيد (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)، والرقاشي (١٢).
والثالث: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، لأنه كان معه مثل الهْدبة، وهو قول سعيد بن المسيب (١٣).
قال ابن عطية: " وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى ﵇ إنما هي الامتناع من وطء النساء" (١٤).
قال ابن كثير: " المقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله ﷾ أعلم ... وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿حَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها" (١٥).
قوله تعالى ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٠]، " أي: ويكون نبياً من الأنبياء الصالحين" (١٦).
قال الزجاج: " الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه ويؤَدي إلى الناس حقوقهم" (١٧).
قال ابن كثير: " هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] " (١٨).
الفوائد:
١ - إثبات الملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله تعالى لما أعدّ لهم، فقاموا به على حسب ما اراد خالقهم ﷿.
٢ - إن الملائكة تتكلم بصوت مسموع، لقوله: ﴿فنادته الملائكة﴾.
٣ - جواز تكليم المصلي من قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، لكن المكلَّم لا يخاطب الآخر، وإنما يجيبه بالاشارة، والأفضل تركه إلا لحاجة، لأن ذلك يشوش على المصلي.
٤ - مشروعية تبشير الانسان بما يسره.
٥ - جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، في حال كان الاسم مهيئا.
٦ - الثناء على من صدّق المرسلين، لقوله: ﴿مصدقا لكلمة من الله﴾.