نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي»، فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لقوا بدر. وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله ﷺ وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. فذلك قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ " (١).
والصحيح الأول، إذ أن سبب نزول الآية الكريمة ثناء الله سبحانه على أصحاب رسول الله ﷺ حين أجابوه لما دعاهم إليه للحاق المشركين، على الرغم مما فيهم من الجراح والآلام التي أصابتهم يوم أُحد؛ إظهاراً للجَلَد والقوة، وإرهاباً لأعداء الله.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، " أي: الذين أطاعوا الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أُحد" (٢).
قال الطبري: أي: ": وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله ﷺ إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو - أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش - مُنصَرَفهم عن أحد. وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله ﷺ في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم" (٣).
قال ابن كثير: " هذا كان يوم "حمراء الأسد"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلدا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله ﵁ لما سنذكره - فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ﷿ ولرسوله ﷺ" (٤).
قال ابن عطية: " والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد في طلب قريش وانتظارهم لهم" (٥).
قال محمد ابن إسحاق: " فقال الله ﵎: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ﴾، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله ﷺ الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم" (٦).
وعن قتادة: " قوله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون - أبو سفيان وأصحابه - فقال ﷺ لأصحابه: ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، تطلب عدوّها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع! فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد" (٧).
قال عكرمة: " كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن