إني نذير لأهل البَسْل ضَاحيَةً ... لكل ذي إرْبَة منهم ومعقول (١)
من جَيْش أحمدَ لا وَخْشٍ تَنَابِلة ... وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل (٢)
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟
قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا.
فقال النبي ﷺ، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده، لقد سومت (٣) لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب" (٤).
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، "أي: لمن أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إِلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - الأجرُ العظيم والثواب الجزيل" (٥).
قال السمرقندي: " أي الذين أوفوا الميعاد واتقوا السخط في معصية رسول الله ﷺ لهم ثواب كثير" (٦).
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: " ﴿أجر عظيم﴾، قال: الجنة" (٧). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة والضحاك وقتادة نحو ذلك (٨).
وفي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، وجوه (٩):
أحدها: أن قوله ﴿أحسنوا﴾، دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات، وقوله: ﴿واتقوا﴾، دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم.
والثاني: أن المعنى أنهم ﴿أحسنوا﴾ في طاعة الرسول في ذلك الوقت، ﴿واتقوا﴾ الله في التخلف عن الرسول، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض.
الثالث: أنهم ﴿أحسنوا﴾: فيما أتوا به من طاعة الرسول ﷺ، ﴿واتقوا﴾ ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك.
قال الزمخشري: " و ﴿من﴾ في ﴿للذين أحسنوا منهم﴾، للتبيين، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم" (١٠).
روي عن ابن عباس أنه قال: "افصلوا بينهما: قوله: ﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾، ﴿الذين قال لهم الناس﴾ " (١١).