فمن قرأ بالياء فـ ﴿الذين﴾ في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم (١)، ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو" على التكرير: لا تحسبنهم لا تحسبن أنما نملي لهم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨]، على التكرير: هل ينظرون إلا أن تأتيهم" (٢).
وقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين، كقول الشاعر (٣):
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
فرفع (هلك) على البدل، من الأول (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، " أي: إِنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم" (٥).
قال أبو عبيدة: " فإنما أبقيناهم إلى وقت آجالهم ليزدادوا إثما وقد قيل فى الحديث: «الموت خير للمؤمن للنّجاة من الفتنة، والموت خير للكافر لئلا يزداد إثما» (٦) " (٧).
قال السمرقندي: " أي: نعطي لهم المال والولد، يهانون به من العذاب.
ويقال: إنما نملي لهم، أي بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم، وإنما كان ليزدادوا عقوبة.
ويقال: إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثما، أي جرأة على المعاصي. وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم" (٨).
قال عبد الله بن مسعود: "ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان فاجرا، لقد قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾ " (٩).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، " أي: ولهم في الآخرة عذاب يهينهم" (١٠).
قال مقاتل: " يعني الهوان" (١١).
قال القاسمي: " في قوله تعالى: ﴿مهين﴾ سر لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر، وصف عذابهم بالإهانة، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا" (١٢).
الفوائد:
١ - أنه يجب على الانسان ان لا يظن أن إمهال الله له خيرا له، تؤخذ من النهي، فإن الأصل في النهي التحريم، فلايجوز للإنسان ان يغتر بإمهال الله له.
٢ - أنه تعالى بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترا وهو متجاوز لحدوده ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال ﷺ: "إت الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" (١٣).