وَأَحْدَثُوا، لِتَكُونَ لَهُمْ حُجّةً وَلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا شُبْهَةَ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أَيْ اللّبْسَ ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنْ الضّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ خَلَقْنَا وَقَضَيْنَا يَقُولُ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ أَيْ الّذِي بِهِ أَرَادُوا مَا أَرَادُوا ﴿إِلّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا﴾ فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ مِنْ رَبّ وَاحِدٍ؟ ثُمّ رَدّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْكَمَةِ الّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدِ فِيهَا إلّا تَأْوِيلَ وَاحِدٍ وَاتّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَابَ وَصَدّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَفَذَتْ بِهِ الْحُجّةُ وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْرُ وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِلُ وَدَمَغَ بِهِ الْكُفْرَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا: ﴿وَمَا يَذّكّرُ﴾
ــ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمرَان:٧] قَالَ إذَا رَأَيْتُمْ الّذِينَ يُجَادِلُون فِيهِ فَهُمْ أُولَئِكَ فَاحْذَرُوهُمْ وَلِلسّلَفِ فِي مَعْنَى الْمُحْكَمِ وَمَعْنَى الْمُتَشَابِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ إلّا أَنّ مَعَهُمْ مَنْ يَرَى الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمرَان:٧] وَيَرَوْنَهُ تَمَامَ الْكَلَامِ وَيَحْتَجّونَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وَيَقُولُ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنّ الرّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ التّأْوِيلَ وَإِنْ عَلِمُوا التّفْسِيرَ وَالتّأْوِيلَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ غَيْرَ التّفْسِيرِ إنّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وَطَائِفَةٌ يَرَوْنَ أَنّ قَوْلَهُ ﴿وَالرّاسِخُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَأَنّهُمْ عَالِمُونَ بِالتّأْوِيلِ وَيَحْتَجّونَ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ مِنْ أَثَرٍ وَنَظَرٍ وَاَلّذِي أَرْتَضِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الّذِي قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَمَعْنَاهُ كُلّهُ أَنّ الْكَلَامَ قَدْ تَمّ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُبْتَدَأٌ لَكِنْ لَا نَقُولُ إنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ. كَمَا قَالَتْ الطّائِفَةُ الْأُولَى، وَلَكِنْ نَقُولُ إنّهُمْ يَعْلَمُونَهُ بِرَدّ الْمُتَشَابِهِ إلَى الْمُحْكَمِ وبالاستدلال عَلَى الْخَفِيّ