دراسات في الشريعة والعقيدة
أحوال النبي ﷺ في الحج
فيصل بن علي البعداني
أمر الله تعالى عباده باتباع نبيه ﷺ فقال ﷿: [وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر: ٧) ، وجعله سبحانه قدوة
حسنة لهم فقال: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١)
والحج من أوضح عبادات الإسلام التي يتجلى فيها اتباع النبي صلى الله عليه
وسلم والتأسي به، والملحوظ في واقع الناس اليوم سيطرة الحديث عن الأحكام
وانشغالهم بتعداد الأخطاء التي تقع فيه، وما يصح به النسك أو يبطل، ومع أهمية
هذا الجانب وضرورته نتيجة تفشي الجهل ودوران صحة العمل أو بطلانه على ذلك،
إلا أنه أدى إلى نسيان الكثير من جوانب التأسي بالنبي ﷺ،
وإغفال أعداد غفيرة من الحجيج لمعان كثيرة راعاها النبي ﷺ
أثناء أدائه لنسكه، وفي ظل هذا الغياب أصبح المرء يرى في الحج العديد من
المظاهر التي يقع فيها كثير من طلبة العلم الحريصين على تطبيق السنَّة فضلاً عن
غيرهم، وهي غير متفقة مع هديه ﷺ، ولذا جاءت هذه المقالة
لتحاول إعطاء توصيف أشمل وصورة أدق عن أحواله ﷺ في
الحج لعل في ذلك مزيد عون للمتأسين به ﷺ، والسائرين على
نهجه. ونظراً لكثرة الحديث عن صفة نسكه ﷺ فلن تتعرض
المقالة لذلك، وستكتفي بإبراز نماذج وإشارات عامة في الجوانب الأخرى نظراً
لكون الموضوع أوسع من أن تحيط به مقالة أو تكفي في عرضه الموارد المعتمدة.
ورغبة في تقريب الموضوع ولمِّ شتاته للقارئ فسيكون في ثلاثة محاور
رئيسة:
الأول: أحوال النبي ﷺ في الحج مع ربه:
لم يشغل النبي ﷺ تعليم الحجيج وقيادتهم والعناية بأهل بيته
ورعاية زوجاته عن الصلة بربه والانكسار بين يديه، وقد أخذ ذلك صوراً وأشكالاً
شتى من أبرزها:
١ - تحقيق التوحيد والعناية به:
يعد التوحيد أحد القضايا الرئيسة التي عمل النبي ﷺ في
الحج على تحقيقها والعناية بها، وهذا جلي من خلال التأمل في أعماله صلى الله
عليه وسلم في الحج، ومن ذلك: التلبية وهي شعار الحج التي تتضمن إفراد الله
وحده لا شريك له بالعمل، واستمر ﷺ يلهج بها منذ دخوله في
النسك إلى حين رميه لجمرة العقبة يوم النحر.
ومنها: عنايته ﷺ بإخلاص العمل وسؤاله ربه أن يجنبه
الرياء والسمعة كما في حديث أنس ﵁ مرفوعاً قال: «اللهم حجة لا
رياء فيها ولا سمعة» [١] .
ومنها: دعاؤه ﷺ على الصفا والمروة بالتوحيد كما في
حديث جابر ﵁ قال: «فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت،
فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبَّره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك،
وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده ... قال مثل هذا ثلاث
مرات ... حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا..» [٢] .
٢ - إظهار البراءة من المشركين وتعمد مخالفتهم:
حرص النبي ﷺ على مخالفة المشركين والسير على سنة
أبينا إبراهيم ﵇ في كثير من شعائر الحج وأحكامه، ووصل الأمر غايته
حين تبرأ ﷺ من أعمال المشركين في خطبته يوم عرفة، وأخبر
أن كل شيء من أمر الجاهلية فهو موضوع تحت قدميه [٣] . والشعائر التي بان فيها
تعمده المخالفة كثيرة، من أهمها: التلبية، وقد كان المشركون يضمنونها الشرك
بالله ويقولون فيها: (إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك) ؛ فأخلص النبي صلى الله
عليه وسلم فيها التوحيد، ونبذ الشرك وتبرأ منه [٤] .
ومنها: وقوفه مع الناس بعرفة ومخالفته لكفار قريش الذين كانوا يقفون في مزدلفة
ويقولون: لا نفيض إلا من الحرم [٥] .
ومنها: إفاضته من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفاً المشركين الذين كانوا لا
يفيضون منها حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير [٦] .
٣ - كثرة التضرع والمناجاة والدعاء:
للدعاء منزلة رفيعة؛ إذ هو «إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة
له» [٧] ، ولذا قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» [٨] ، وقد
كان للنبي ﷺ في الحج منه أوفر الحظ والنصيب؛ فقد دعا ربه
في الطواف [٩] ، وعند الوقوف على الصفا والمروة، وأطال في الدعاء يوم
عرفة وهو على ناقته رافعاً يديه إلى صدره كاستطعام المسكين منذ أن استقر في
مقامه الذي وقف فيه بعد الصلاة إلى أن غربت الشمس، وفي مزدلفة في المشعر
الحرام منذ أن صلى الفجر إلى أن أسفر جداً قبل أن تطلع الشمس [١٠] ، وفي أيام
التشريق بعد رمي الجمرتين الأُوليين كان يستقبل القبلة ويقوم طويلاً يدعو ويرفع
يديه [١١] .
هذا شيء مما نقل عنه في دعاء المسألة. أما دعاء الثناء والذكر فلم يفارقه
ﷺ منذ أن دخل في النسك إلى أن عاد إلى المدينة؛ إذ لم يزل
ﷺ رطب اللسان بذكر الله مكثراً من الثناء على الله بما هو أهله
من تلبية وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد راكباً وماشياً وفي جميع أحواله صلى الله
عليه وسلم كما هو جلي لمن قرأ صفة حجه ﷺ وتتبع أحواله
فيه [١٢] .
ومن الأهمية بمكان التنبيه على أن المنقول من دعائه ﷺ
وتضرعه وثنائه على ربه في الحج قليل جداً بالنسبة لما لم ينقل؛ إذ الأصل أن
ذلك سر بين العبد وربه، وإنما جهر ﷺ بما جهر به حين كان
يريد تأسي أمته به، وإلا فإن ذكر الله من غايات الحج ومقاصده العظام كما يُلْمح
ذلك من قوله ﷿: [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً] (البقرة: ١٩٨-٢٠٠) ، بل إن أعمال الحج
وشعائره إنما شرعت لذكر الله تعالى كما يدل عليه حديث عائشة ﵂
مرفوعاً: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة
ذكر الله» [١٣] ، وقول رسول الله ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل
وشرب وذكر لله» [١٤] .
٤ - التوقف عند حدود الله ﷿:
الوقوف عند حدود الله تعالى غاية التقوى ودليل صدق الإيمان وعلامة كمال
العبودية، وقد كان النبي ﷺ أعلم الناس بحدود ربه، وأتقاهم له،
وأكثرهم تعظيماً لحرماته، وقد لاح ذلك في الحج في مواقف شتى، منها: عندما لم
يُحِلَّ من إحرامه مراعاة لأصحابه؛ لأنه ساق الهدي؛ وذلك أنه صلى الله عليه
وسلم أمر من لم يسق الهدي من أصحابه بأن يحلوا إحرامهم ويجعلوا حجهم عمرة؛
فتأخروا في ذلك ظناً منهم أنه لم يعزم عليهم في ذلك وإنما أبان لهم الجواز، وقال
بعضهم معبراً عن عدم رغبته في الحل من الإحرام: «نأتي عرفة تقطر مذاكيرنا
المني» ! فقام النبي ﷺ فيهم حين بلغه ذلك فقال: «قد علمتم
أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا» [١٥] .
ومنها قوله ﷺ عن زوجه صفية ﵂ حين
حاضت ليلة النفر وقبل أن يعلم أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر: «ما أراها
إلا حابستكم» [١٦] مع ما في ذلك من الحرج الشديد له أمام الخلق؛ إذ كيف يُحبَس
الناس عن النفير بسببها؟ !
٥ - الخشوع والسكينة:
يُدرَك حضور القلب وخشوعه بسكون الجوارح ووقارها؛ إذ الظاهر عنوان
الباطن [١٧] ، وقد جمع النبي ﷺ في حجه بين الأمرين؛ فكان
حاضر القلب غير متشاغل بشيء عن نسكه، خاضعاً لربه فيه، ذليلاً منكسراً بين
يدي مولاه، مكثراً من التضرع والمناجاة مع إطالة للقيام ورفع لليدين أثناء ذلك [١٨] .
كما كان النبي ﷺ خاشع الجوارح يسير سيراً ليناً بسكينة
ووقار، ويؤدي مناسكه بتؤدة واطمئنان، يدل على ذلك حديث جابر ﵁
قال: «أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة» [١٩] ، وحديث
عبد الله بن عباس ﵄ «أنه دفع مع النبي ﷺ يوم
عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل،
فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس
بالإيضاع» [٢٠] .
٦ - الاستكثار من الخير ومباشرته:
حث الله عباده على التزود من التقوى والتسابق في الخيرات، فقال ﷿:
[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ] (البقرة: ١٩٧) ،
وقد كان هذا هدي النبي ﷺ في الحج وديدنه فيه، ومن المظاهر
الدالة على ذلك: حرصه ﷺ على المجيء بمستحبات النسك
كالاغتسال للإحرام [٢١] ، والتطيب عند الإهلال به وعند الخروج منه [٢٢] ،
وإشعار الهدي وتقليده [٢٣] ، والإكثار من التلبية والجهر بها حتى رمي جمرة
العقبة [٢٤] ، وبدء البيت بالطواف [٢٥] ، والرَّمَل فيه [٢٦] ، والاستلام
للركنين [٢٧] ، وصلاة ركعتي الطواف خلف المقام [٢٨] ، والدعاء على الصفا
والمروة، والسرعة الشديدة في بطن الوادي [٢٩] ، والذكر عند استلام الركنين
ورمي الجمار [٣٠] ، وغيرها من السنن كثير.
٧ - التوازن والاعتدال:
خير الأمور الوسط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وقد كان من أبرز
أحوال المصطفى ﷺ وما تجلى من خلقه في الحج التوازن
والاعتدال، وكراهية الإفراط والتفريط، ولعل الذي يعنينا من ذلك في حاله مع ربه
﷿ أمران:
الأول: اعتداله ﷺ وموازنته بين العناية بنفسه من خلال
قوة صلته بربه من جهة [٣١] ، وبين التعليم لأمته وقيادتها، والرعاية لزوجاته
والحنو على أهل بيته من جهة أخرى [٣٢] .
الثاني: اعتداله ﷺ وموازنته بين كل من حقوق روحه
وجسده؛ إذ في ذلك الجو الإيماني المهيب الذي قد يدفع الكثيرين إلى التفريط في
حق الجسد والإفراط في حق الروح نجده ﷺ معتنياً بجسده غاية
العناية؛ إذ صعد يوم التروية إلى منى ليقرب من عرفة [٣٣] ، ونام ليلة عرفة
ومزدلفة [٣٤] ، وأفطر يوم عرفة [٣٥] ، وترك ليلةَ جَمْع صلاة النافلة [٣٦] ، واستظل
فيه بقبة من شعر ضُرِبت له قبلُ [٣٧] ، وركب في تنقلاته بين المشاعر [٣٨]
وأثناء قيامه ببعض أعمال الحج [٣٩] ، واتخذ ﷺ من يخدمه ويقوم
بأمره [٤٠] ... ونحو ذلك من الأمور التي ترفق بالجسد، وتمكنه من التقوِّي على
العبادة وأداء النسك بحضور قلب وتدبر وخشوع وطمأنينة.
٨ - الزهد في الدنيا:
كان النبي ﷺ زاهداً في الدنيا، معرضاً عما لا ينفع في
الآخرة منها، ومظاهر زهده ﷺ في الحج بالدنيا وتعلق قلبه
بالآخرة كثيرة لا تكاد تحصى، ومن أبرزها: أنه حج على رَحْل رثٍّ وقطيفة
تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي [٤١] .
ومنها: إردافه ﷺ على راحلته أمام الحجيج أسامة بن زيد
﵄ من عرفة إلى مزدلفة، والفضل بن العباس ﵄ من
مزدلفة إلى منى [٤٢] .
ومنها: عدم تميُّزه في الموسم عن الناس بشيء، وأعظم ما تجلى فيه ذلك أنه
ﷺ «جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل! اذهب
إلى أمك فائت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: اسقني،
قال: يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني، فشرب منه» [٤٣] ،
وفي رواية أنهم حين قالوا: نأتيك به من البيت قال: «لا حاجة لي فيه، اسقوني
مما يشرب منه الناس» [٤٤] .
ومنها: عظم هديه؛ إذ قرَّب مائة بدنة [٤٥] ، ومن تعلق قلبه بالدنيا فإنه لا
يُخرِج شيئاً فوق الحد الواجب.
ومنها: جمعه بين الهدي والأضحية [٤٦] مع أن الهدي يجزئ الحاج عنها.
الثاني: أحوال النبي ﷺ في الحج مع أمته:
عَجَبٌ أمر رسول الله ﷺ في الحج؛ إذ قام بتعليم الناس
وقيادتهم في آن واحد؛ ومع ذلك فما أنت مريد أن ترى شيئاً فعله صلى الله عليه
وسلم معهم على خلاف الأوْلى إلا وأنت عاجز عن ذلك.
وكل أحواله ﷺ والوظائف التي قام بها مع أمته دالة على
عظمته وعلو مرتبته، ولعل من أبرز ذلك:
١ - التعليم:
بعث الله رسوله ﷺ «معلماً ميسراً» [٤٧] ، وقد بلغ الغاية
في ذلك، فشهد له الناس بأنه ما رأى الخلقُ «معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً
منه» [٤٨] ، ومن تأمل حَجَّه ﷺ وجد أنه هو ذلك المعلم
الموصوف بعينه؛ إذ أمر ﷺ بأن يؤذن قبل الحج في الناس بأنه
ﷺ يريد الحج ليسهل على من يريد مرافقته السفر معه، فقدم
المدينةَ بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتم به ويأخذ عنه [٤٩] ، فاختلط بالناس وأشرف
لهم، وبرز طوال الموسم [٥٠] ، وكان أحد لا يُصرف عنه ولا يُدفع [٥١] ، ولم
يكن حوله ضرب ولا طرد ولا قول: إليك إليك [٥٢] .
وحرص ﷺ على البلاغ وإقامة الحُجَّة على الخلق فحفزهم
على التعلم، وشحذ هممهم، وشد انتباههم إلى ما يقول ويفعل بتنويع أساليب
الخطاب وطرق التعليم، وأمره لهم بأخذ المناسك عنه لاحتمال أن تكون حَجَّته
الأخيرة [٥٣] ، ومطالبته إياهم بالشهادة له بالبلاغ؛ إذ مراراً ما خاطبهم بعد أن يتم
تعليمهم قائلاً: «ألا هل بَلَّغت؟» [٥٤] ، فيشهد الناس له بذلك قائلين: «نشهد
أنك قد بلَّغت وأديت ونصحت» [٥٥] .
ولم يقتصر ﷺ على البلاغ والتعليم بنفسه، بل اتخذ من يُبلِّغ
عنه [٥٦] ، وأرسل الرسل لذلك [٥٧] .
وأبرز الأمور التي اهتم النبي ﷺ بتعليم الناس إياها هي
أحكام المناسك التي جمع فيها النبي بين البيان والتطبيق العملي [٥٨] .
ومن ذلك: بيان منزلة أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ إذ قال صلى الله عليه
وسلم في إحدى خطبه في الموسم: «اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا
شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» [٥٩] .
ومن ذلك: بيان خطورة الشرك وبعض المحرمات العظام؛ إذ قال صلى الله
عليه وسلم: «إنما هن أربع: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم
الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تزنوا» [٦٠] .
٢ - الإفتاء:
من أهم أحوال النبي ﷺ والأعمال التي تقلب فيها مع الناس
في الحج تبيين المشكل عليهم من الأحكام والجواب عن استفساراتهم، ومن أشهر
فتاويه ﷺ في الحج «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله!
إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر
بعيره، فقال النبي ﷺ: فحُجي عنه» [٦١] ، وقوله صلى الله
عليه وسلم لكل من سأله عن التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر: «افعل ولا
حرج» [٦٢] .
والملحوظ: في إفتائه ﷺ في الموسم أمور من أوضحها:
وقوفه ﷺ للناس وبروزه لهم ليروه ويسألوه [٦٣] .
ومنها: جنوحه إلى التيسير في فتاويه [٦٤] والتخفيف على ذوي الحاجات [٦٥] .
ومنها: حرصه ﷺ على الإقناع لمن يستفتيه كقوله صلى الله
عليه وسلم لرجل قال له: «يا رسول الله! إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ
كبير لا يثبت على راحلته، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان عليه دين فقضيته
عنه أكان يجزيه؟ قال: نعم. قال: فاحجج عن أبيك» [٦٦] .
ومنها: صبره ﷺ على السائلين واحتماله لأذاهم مع الرفق
والرحمة بهم [٦٧] .
٣ - الوعظ:
كان للنبي ﷺ في الوعظ اليد الطولى والقدح المعلى؛ إذ
بعثه الله مبشراً ونذيراً، فأرشد أمته إلى الخير ورغبها فيه، ونهاها عن الشر
ورهَّبها منه.
وفي الحج كان للوعظ والتوجيه ميدان فسيح ووجود ظاهر، حتى إن النبي
ﷺ أعاد التذكير ببعض القواعد والأمور الهامة [٦٨] من غير ما
تكلُّف أكثر من مرة، وقد تناول وعظه ﷺ موضوعات عدة كان
من أهمها:
التزهيد في الدنيا؛ إذ قال ﷺ قبل الغروب بعرفات: «أيها
الناس! إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى
منه» [٦٩] .
ومنها: الأمر بالتقوى والدلالة على ما يُدخِلُ المرءَ الجنةَ؛ إذ قال صلى الله
عليه وسلم: «اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم؛ وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم،
وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» [٧٠]
ومنها: بيان أن لا أحد يحمل جريرة أحد، وأن المسؤولية أمام المولى عز
وجل فردية؛ إذ قال ﷺ: «ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه، لا
يجني والد على ولده، ولا مولود على والده» [٧١] .
ومنها: الترغيب في ترك الفسوق والعصيان أثناء النسك والاشتغال بما ينفع؛
إذ قال ﷺ: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم
ولدته أمه» [٧٢] ، وقوله ﷺ: «ليس البر بإيضاع الخيل ولا
الرِّكاب» [٧٣] .
ومنها: التحذير من الغلو؛ إذ قال ﷺ: «يا أيها الناس!
إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [٧٤] .
ومنها: الوصاية بالضعفاء من النساء والأرقَّاء والأمر بالإحسان إليهم؛ إذ قال
ﷺ: «فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله،
واستحللتم فروجهن بكلمة الله» [٧٥] ، وجاء في حديث مرفوع: «أرقَّاءَكم أرقاءَكم
أرقاءَكم أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون؛ فإن جاؤوا بذنب لا تريدون
أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم» [٧٦] .
٤ - توحيد الأمة، وتحذيرها من الفتن ودواعي الافتراق:
كان الحج بما يحمل في طياته من وحدة بين أفراد الأمة في الشعور والمشاعر
فرصة سانحة لتوحيد الأمة وتحذيرها من الفتنة ودواعي الفرقة، وقد اهتم النبي
ﷺ بهذا الأمر وأولاه عنايته، وقد أخذ ذلك الاهتمام مظاهر شتى
من أبرزها:
تسويته ﷺ بين أفراد الأمة، وعدم تمييزه بينهم إلا بالتقوى؛
إذ قال ﷺ: «إن ربكم واحد، وأباكم واحد؛ ألا لا فضل
لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر
على أسود إلا بالتقوى» [٧٧] .
ومنها: أمره ﷺ بالسمع والطاعة لمن يقيم كتاب الله عز
وجل، ولزوم الجماعة والنصح للأئمة؛ حيث قال ﷺ: «إن أُمِّر
عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» [٧٨] ، وقال صلى
الله عليه وسلم بالخيف من منى: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص
العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من
ورائهم» [٧٩] .
ومنها: تحذيره ﷺ من الاستجابة لتحريش الشيطان؛ حيث
قال ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة
العرب، ولكن في التحريش بينهم» [٨٠] .
ومنها: نهيه ﷺ عن الابتداع في الدين؛ إذ قال صلى الله
عليه وسلم محذراً أمته: «ألا وإني مستنقِذٌ أناساً، ومستنقَذٌ مني أناس فأقول:
يارب أصيحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» [٨١] .
ومنها: نهيه ﷺ عما يسبب الفرقة ويؤدي إلى الفتنة في
المجتمع المسلم كالاقتتال؛ حيث قال ﷺ بعد أن استنصت الناس:
«لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [٨٢] .
وكالاستهانة بدماء الآخرين وأموالهم وأعراضهم؛ حيث قال صلى الله عليه
وسلم في خطبه الثلاث في عرفة ويوم النحر وأوسط أيام التشريق: «فإن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم
هذا» [٨٣] .
وكالظلم وأخذ أموال الناس بغير طيب نفس منهم؛ حيث قال صلى الله عليه
وسلم: «اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا؛ إنه
لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» [٨٤] .
٥ - التربية على الاتباع وتوحيد مصدر التلقي:
الإسلام هو الخضوع والذل لله وحده والإذعان لما جاء به رسوله صلى الله
عليه وسلم، ولا تثبت قدم أحد فيه ما لم يسلِّم لنصوص الوحي، وينقاد إليها ولا
يعترض على شيء منها [٨٥] ، والحج آية في الانقياد ومدرسة في التسليم
والاستسلام، ربَّى النبي ﷺ فيه أصحابه ﵃ على
توحيد متابعته، وغرس في نفوسهم ضرورة التأسي به. يقول جابر ﵁
واصفاً الحال: «ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه القرآن
ينزل، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به» [٨٦] ، فأنتجت تلك
التربية العظيمة ثمرات يانعة مباركة.
ومظاهر تربيته ﷺ في الحج لأصحابه ﵃ على
المتابعة والاقتصار في الأخذ والتلقي على نصوص الوحي كثيرة، من أبرزها:
مطالبته ﷺ الحجيج في مواطن عدة خلال الموسم بالتأسي به
وتحفيزه إياهم على ذلك بذكر احتمال أن تكون حجته تلك آخر حجة له؛ إذ قال
ﷺ مراراً: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد
حجتي هذه» [٨٧] .
ومنها: حثه ﷺ الناس في خطبته يوم عرفة على الاعتصام
بالتنزيل والتمسك به؛ لأن ذلك طريق الوقاية من الزيغ والضلال؛ حيث قال صلى
الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب
الله» [٨٨] .
ومنها: تحذيره ﷺ أمته من اتباع الأهواء والابتداع في
الدين؛ إذ قال ﷺ وهو واقف على ناقته بعرفات: «ألا وإني
فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم؛ فلا تُسوِّدوا وجهي، ألا وإني مستنقِذ
أناساً ومستنقَذ مني أناس، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقول: إنك لا تدري ما
أحدثوا بعدك» [٨٩] .
٦- القيادة الناجحة والمعاملة الحسنة:
جمَّل الله تعالى رسوله ﷺ بكمالات الأخلاق، وزيَّنه بأجل
الآداب، فامتلك لذلك مقومات القيادة الناجحة والأساليب المثلى للمعاملة الحسنة،
فهوت لذلك إليه الأفئدة، وتدافع عليه الناس حين بلغهم عزمه على الحج كل يريد
السير في رعايته وتحت لوائه، فحج معه أكثر من مائة ألف إنسان [٩٠] كل يريد
أن يأتم به ويعمل مثل عمله [٩١] فأثر ﷺ في نفوسهم أعمق تأثير،
ووجههم أحسن توجيه، وقادهم أعظم قيادة عرفتها البشرية.
ولن تستطيع هذه الكلمات القليلات الإتيان على كافة جوانب عظمته صلى الله
عليه وسلم في قيادة تلك الأفواج الضخمة من الحجيج وإبراز تعامله الفذ معها؛ ولذا
فستقتصر على ذكر إشارات وتجلية جوانب مختصرة لتكون أنموذجاً لما خلفها
ودليلاً على ما وراءها، وذلك فيما يلي:
أ - جعله ﷺ من نفسه قدوة حسنة:
عاب الله ﷿ على بعض عباده قول الخير والأمر به دون فعله، فقال
سبحانه: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ]
(البقرة: ٤٤) ، ولأن خُلق رسول الله ﷺ كان القرآن [٩٢] ؛ فما
كان ﵊ ليأمر أمته بأمر إلا وكان أسبقهم إليه، وما كان لينهاهم
عن شيء إلا وكان أبعدهم منه، وفي الحج تجلى لديه ﷺ هذا
الخلق السامي في مواقف عدة، من أبرزها:
ما جاء في خطبة الوداع حين قال ﷺ: «ألا كل شيء من
أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع
من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا
الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه
موضوع» [٩٣] .
ومنها: أنه ﷺ في الوقت الذي كان يحث أصحابه على بر
الحج والاشتغال بالطاع والخضوع لله ﷿ والانكسار بين يديه سبحانه [٩٤]
كان أكثرهم تقرباً وخشية، وأعظمهم ذلاً لله تعالى وضراعة بين يديه [٩٥] .
ومنها: أنه ﷺ في الوقت الذي كان يحث أصحابه على
الزهد في الدنيا والتعلق بالآخرة [٩٦] كان يحج على رحل رث وقطيفة لا تكاد
تساوي أربعة دراهم [٩٧] .
ومنها: أنه ﷺ أمر بترك المزاحمة وأداء النسك بتؤدة
وطمأنينة، وأفاض هو ﷺ بسكينة وكان يسير على مهله [٩٨] .
ومنها: أنه ﷺ نهى أصحابه عن الغلو في الدين وأمرهم بأن
يرموا الجمرة بمثل حصى الخذف [٩٩] ، ورماها هو ﷺ بمثل ما
أمرهم به [١٠٠] .
وهذا الأمر من أعظم ما دعا الناس إلى حبِّه ﷺ، وحملهم
على التأثر به؛ إذ هو عنوان استقامة القيادة وإخلاصها ودليل إيمانها فيما تأمر به
وجديتها في تنفيذه.
ب - تواضعه ﷺ مع الناس:
التواضع سيد الأخلاق ومصيدة الشرف، ومن أسباب رفعة الله تعالى للعبد
كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «وما تواضع أحد لله إلا
رفعه الله» [١٠١] ، وقد أمر الله سبحانه به نبيه ﷺ فقال ﷿:
[وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ] (الشعراء: ٢١٥) فامتثل صلى
الله عليه وسلم أمر ربه، فبلغ في التواضع منزلة لا يطاوله فيها أحد من الخلق.
وفي الحج تجلى تواضعه ﷺ في قيادته للناس من خلال
مواقف وصور شتى كان من أبرزها:
ما تقدَّم من أن حَجَّه ﷺ كان على رحل رث، وقطيفة لا
تكاد تساوي أربعة دراهم [١٠٢] .
ومنها: إباؤه ﷺ التميز عن الناس بشيء، ومن أجلى ما
ظهر فيه ذلك: رفضه ﷺ أن يُخَصَّ بماء لم تُجعل فيه الأيدي دون
الناس، وقوله ﷺ حين عرض عليه ذلك: «لا حاجة لي فيه،
اسقوني مما يشرب منه الناس» [١٠٣] .
ومنها: إردافه ﷺ لأسامة بن زيد ﵄ من عرفة
إلى مزدلفة أمام الخلق وهو من الموالي [١٠٤] .
ومنها: وقوفه ﷺ لامرأة من آحاد الناس يستمع إليها ويجيب
عن سؤالها [١٠٥] .
ومنها: تمكن كل أحد من الوصول إليه وقضاء بغيته منه بيسر إذ لم يكن
ﷺ يتخذ حُجَّاباً يصرفون الناس عنه ويمنعونهم من مقابلته
والتحدث معه [١٠٦] .
فكسب ﷺ بتواضعه الجم قلوب الناس وثقتهم، ونال محبتهم.
ج - رحمته ﷺ بالناس:
الإسلام دين الرحمة، وشريعته مبنية على العطف والشفقة في أصولها
وفروعها [١٠٧] ؛ ولذا فمن البدهي أن النبي ﷺ لم يبعث إلا رحمة
كما قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) وكما أخبر
ﷺ عن نفسه بذلك فقال: «إنما بعثت رحمة» [١٠٨] .
وفي الحج نرى رحمته ﷺ في قيادة الناس متجلية في مواقف
كثيرة وصور متنوعة، كان من أبرزها:
إلزامه ﷺ لمن لم يَسُقِ الهدي من أصحابه بالحل الكامل من
الإحرام، والذي يتضمن إتيان النساء ولبس الثياب ومس الطيب رحمة بالأمة
وتخفيفاً عنها [١٠٩] .
ومنها: جمعه ﷺ لصلاتي الظهر والعصر في عرفات [١١٠] ،
وتأخيره للصلاة حين أفاض إلى مزدلفة [١١١] حتى لا يشق على الناس بتعدد
النزول، ويتمكن الحاج من إناخة بعيره ووضع متاعه في الموضع الذي سيبيت فيه.
ومنها: إذنه ﷺ للضعفة في الإفاضة من مزدلفة قبل الناس
ليلاً حين يغيب القمر حتى يتمكنوا من أداء أعمال يوم النحر قبل الناس تخفيفاً عنهم
ووقاية لهم من الزحام [١١٢] .
ومنها: تيسيره ﷺ على الناس في التقديم والتأخير في
أعمال يوم النحر، وقوله لمن سأله عن ذلك: «افعل ولا حرج» [١١٣] .
ومنها: تخفيفه ﷺ عن أصحاب الحاجات كإذنه لعمه العباس
﵁ بأن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته الحاج [١١٤] ، وإذنه لرعاة
الإبل بأن يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما [١١٥]
ومنها: تركه ﷺ لفعل الأفضل في أحيان رحمة بالناس
ورفقاً بهم كركوبه في الطواف والسعي واستلامه الحجر بمحجن، وتركه تقبيله
واستلامه باليد، والمشي في الطواف والسعي وهو أفضل لكي لا يصرف الناس
عنه ويضربوا بين يديه [١١٦] .
د - إحسانه ﷺ إلى الناس:
وفي الحج نجد أن إحسانه ﷺ أثناء قيادته للناس لا يحد؛ إذ
ما أنت متأمل في جانب إلا وترى إحسانه فيه بارزاً، وبما أن حصر دلائل إحسانه
ﷺ في كافة الجوانب أمر يطول وليس بغاية، فسيُقتصر فيما يلي
على أمثلة من ذلك:
إكثاره ﷺ في الموسم من البذل والعطاء؛ إذ قسم في
المساكين بُدْنَه المائة كلها: لحومها وجلودها وجلالها [١١٧] ، وقسم الصدقة على
الناس في أكثر من موضع [١١٨] .
ومنها: إحسانه ﷺ إلى أسامة بن زيد والفضل بن العباس
﵃ بإردافهما خلفه على راحلته خلال التنقل بين عرفة ومزدلفة
ومنى [١١٩] .
ومنها: إحسانه ﷺ إلى الضعفاء من خلال الوصاية بهم في
خطبه [١٢٠] .
ومنها: حرصه ﷺ على نجاة أمته وقبول الله لها؛ إذ ألح
على الله بالدعاء لها بالمغفرة عشية عرفة وفي مزدلفة [١٢١] ، وحين طلب أحدهم
الدعاء منه عمم دعاءه فقال: «غفر الله لكم» [١٢٢] .
ومنها: حرصه ﷺ على البلاغ من خلال وضوح البيان
والتكرار لما يحتاج إلى ذلك، وتركه تشقيق الأمور؛ إذ اقتصر صلى الله عليه
وسلم في خطبه على بيان أصول الإسلام والمحرمات العظام وبعض القواعد التي
تحتاج إلى مزيد بيان حتى يوعى عنه ويفهم [١٢٣] .
ومنها: استجابته ﷺ لرغبات الناس وتحقيقه لمطالبهم تطييباً
لنفوسهم ومراعاة لخواطرهم [١٢٤] .
هـ - صبره ﷺ على الناس:
جُمع لرسول الله ﷺ في الحج أنواع الصبر الثلاثة في آن
واحد؛ إذ كان أبر أصحابه ﵃ بالله، وأعظمهم صبراً في امتثال
الأوامر وفعل القربات حتى يؤديها بطمأنينة وإخبات وخشوع بين يدي مولاه
سبحانه [١٢٥] .
كما كان ﷺ أتقاهم لله تعالى، وأعلمهم به، وأغضبهم له،
وأحفظهم لحدوده، وأبعدهم عن انتهاك حرماته [١٢٦] .
أما صبره ﷺ على الناس وتحمله لمشقة قيادتهم دون ملل أو
سخط أو تضجر فأمر يبهر العقل، ويكفي للتدليل عليه تصور وظائفه صلى الله
عليه وسلم وإدراك حاله في الموسم وواقع من حج بهم.
فأما وظائفه: فقد كان ﷺ عبداً لله حريصاً على تحقيق
الكمال البشري في التذلل لله والانكسار بين يديه سبحانه، وأداء النسك على وجهه.
وكان ﷺ قائداً للناس وراعياً لهم ومسؤولاً عن أحوالهم
واجتماع كلمتهم.
وكان ﷺ معلماً مرشداً لتلك الأفواج الضخمة من البشر
ومربياً لها على الخير، يختلج في صدره حرص شديد على تحقيق الكمال في تبليغ
الرسالة وبيان الأحكام.
و رفقه ﷺ بالناس:
وفي الحج بان رفقه ﷺ بالناس أثناء قيادته لهم في مواقف
عدة:
منها: استظلاله ﷺ وركوبه في التنقل بين المشاعر، وغير
ذلك من جوانب اليسر التي لو فعل ﷺ خلافها لكان على العباد في
التأسي به مشقة عظيمة [١٢٧] .
ومنها: ركوبه ﷺ أثناء أداء بعض المناسك كالطواف
والسعي خشية أن يُدفع عنه الناس ويُضربوا بين يديه [١٢٨] .
ومنها: بروزه ﷺ للناس طوال الموسم لكي لا يشق على
الناس تأسيهم به أو سؤاله عما يشكل عليهم [١٢٩] .
ومنها: تخفيفه ﷺ على الناس وعدم تكليفهم من الأمر فوق
ما يطيقون، سواء من جهة أعمال النسك أو من جهة قيادته الحجيج وتوليه أمرهم،
وهذا جلي لمن تأمل سيرته ﷺ في الحج [١٣٠] .
ومنها: عدم قربه ﷺ الكعبة بعد طوافه بها طواف القدوم
حتى رجع من عرفة [١٣١] ، واستقراره ﷺ على الصحيح بمنى في
أيام التشريق، وعدم خروجه منها إلى الحرم إلا حين أراد الوداع، وفي ذلك من
الرفق ما هو ظاهر [١٣٢] .
ومنها: اختياره ﷺ للأيسر دوماً؛ كما تقدم من أمره صلى
الله عليه وسلم من لم يَسُقِ الهدي من أصحابه ﵃ بالحل، وجمعه صلى
الله عليه وسلم للصلوات في عرفة ومزدلفة، وقصره للصلاة بمنى [١٣٣] .
ومنها: أمره ﷺ لأصحابه ﵃ بالرفق بأنفسهم،
ومن ذلك قوله ﷺ حين رأى رجلاً يسوق بدنة وهو يمشي:
«اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك في
الثالثة أو في الثانية» [١٣٤] .
الثالث: أحوال النبي ﷺ في الحج مع أهله:
كان النبي ﷺ أرعى الخلق لقريب، وأحناهم على رحم،
وأكثرهم إحساناً إلى أهل، شهد المخالطون له ﷺ بذلك، فوصفه
واصفهم بأنه ﷺ كان «أبر الناس وأوصل الناس» [١٣٥] .
وفي الحج تجلى بره بأهله، وصلته ﷺ لرحمه، وإحسانه
إلى أقاربه في صور شتى ومشاهد مختلفة، ومن الأهمية بمكان الإشارة قبل تعداد
شيء من ذلك إلى أن أهل بيت النبوة ﵃ قد شاركوا الناس فيما أفادهم
به ﷺ، ومن دلائل ذلك قول عائشة ﵂ مخاطبة
رسول الله ﷺ: «سمعتك تقول لأصحابك ما قلت؛ فمنعت
العمرة» ، بل إن المتأمل في أمر النسك يجد أن كثيراً من أحكامه منقول عنهم،
وذلك لما كان لهم ﵃ من مزيد لصوق به ﷺ
واختصاص دون الناس، ولعل من أبرز أحواله ﷺ معهم ما يلي:
١ - تعليمهم أحكام النسك:
اهتم النبي ﷺ بتعليم أهل بيته أحكام النسك ليصفو لهم
تقربهم، وتصح منهم عبادتهم، ومن دلائل ذلك:
ما جاء في حديث أم سلمة ﵂ قالت: «سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: أهلُّوا يا آل محمد بعمرة في حج» [١٣٦] ، وقوله صلى الله
عليه وسلم لعائشة ﵂ حين حاضت قبل أن تطوف بالبيت: «افعلي ما
يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» [١٣٧] ، وقوله ﷺ لأغيلمة
بني عبد المطلب ليلة مزدلفة: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [١٣٨] ، وما
روي عنه ﷺ حين قالت له عائشة ﵂: ألا نبني لك
بيتاً يظلك بمنى؟ فقال: «إنما منى مناخ من سبق» [١٣٩] .
٢ - مواساتهم ومراعاة خواطرهم:
كان النبي ﷺ يواسي أهل بيته حين كان الأمر يقع على
خلاف ما يشتهون، ويراعي خواطرهم؛ فيفعل ما يريدون إذا كان الأمر لا يعارض
مراد الله تعالى، وأبرز ما كان هذا الأمر مع زوجه عائشة ﵂ وذلك
حين دخل عليها وهي تبكي؛ لأنها مُنِعَتِ العمرة المفردة بسبب الحيض، فواساها
ﷺ قائلاً: «فلا يضركِ، أنت من بنات آدم، كتب الله عليك ما
كتب عليهن، فكوني في حجتك عسى الله أن يرزقكها» [١٤٠] ، وحين قالت رضي
الله عنها: «يا رسول الله! أترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج؟ فأمر
رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر، فذهب بها إلى التنعيم،
فلبَّت بالعمرة» [١٤١] .
٣ - الرفق بهم والتيسير على ضعيفهم وصاحب الحاجة منهم:
كان النبي ﷺ في الحج رفيقاً بآل بيته، رحيماً بهم، يحن
على ضعيفهم ويختار الأيسر لهم، ويعطف على صاحب الحاجة منهم ويخفف عنه،
والشواهد الدالة على ذلك عديدة، منها:
اختياره ﷺ الأيسر لزوجاته وأمرهن به، كما في حديث
حفصة ﵂: «أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن
عام حجة الوداع» [١٤٢] .
ومنها: قوله ﷺ لما دخل على ضباعة بنت الزبير رضي
الله عنها وهي وجعة: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث
حبستني» [١٤٣] .
٤ - إزالة ما لديهم من منكر:
حرص النبي ﷺ على تنقية آل بيته ﵃ من
المعاصي، وتصفيتهم من المنكرات؛ فكان إذا وقع أحدهم في منكر أنكر عليه،
وصرفه عنه، ومن ذلك إنكاره ﷺ العملي على الفضل بن العباس
﵄ النظر إلى المرأة الخثعمية التي جاءت تسأل النبي صلى الله عليه
وسلم ومنعه له من الاستمرار في ذلك [١٤٤] ، بل إنه ﷺ جعل من
آل بيته في هذا الجانب قدوة للناس، ومن ذلك حين قام ﷺ خطيباً
في وسط الناس بعرفة فقال: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع،
ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن
الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول
ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله» .
٥ - تشجيعهم على الخير وحثهم عليه:
كان النبي ﷺ يحث آل بيته ﵃ على فعل
الطاعات، ويشجعهم على التزود من الخيرات، ومن ذلك: أنه حين مر على بني
عمومته، وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس خاطبهم قائلاً:
«انزعوا بني عبد المطلب؛ فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت
معكم» [١٤٥] ، بل إنه ﷺ كان ييسر لهم ذلك، ومنه: إذنه لعمه
العباس ﵁ بالبيتوتة بمكة ليالي أيام التشريق من أجل سقايته
الحجيج [١٤٦] .
٦ - وقايتهم من الفتن:
الفتن مفسدات للقلوب، مزيغات للألباب، وحين تجتمع الأعداد الغفيرة من
الذكور والإناث تكون الفرصة مهيأة لحصولها، وبخاصة فتنة النساء، ولذا نجد
النبي ﷺ يخاف على آل بيته ﵃ في الحج منها؛
ويحرص ﷺ على حمايتهم عند تعرضهم لها، ومن الشواهد الدالة
على ذلك:
إسدال نسائه ﷺ بحضرته للجلابيب على وجوههن وهنَّ
محرمات عند محاذاة الرجال لهن، فإذا جاوزوهن كشفن [١٤٧] .
ومنها: توجيهه ﷺ لنسائه بعدم مخالطة الرجال في الطواف
مع أنهن ﵅ كن يطفن معهم، كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه
وسلم لأم سلمة ﵂: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» [١٤٨] ،
وفي رواية أنه ﷺ قال لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي
على بعيرك والناس يصلون ففعلت ولم تصلِّ حتى خرجت» [١٤٩] ، وكما يفهم ذلك
من حديث ابن جريج قال: «أخبرني عطاء إذْ منع ابن هشام النساء الطواف مع
الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟
قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري! لقد أدركته بعد الحجاب، قلت:
كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف
حَجْرَة من الرجال لا تخالطهم، فقالت: امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! قالت:
عنك. وأبت، فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا
دخلن البيت قُمْن حتى يدخلن، وأخرج الرجال» [١٥٠] .
٧ - الإحسان إليهم:
تعددت وجوه إحسانه ﷺ إلى آل بيته وتنوعت بصورة
جعلت المتأمل يجزم بأن كل أحواله ﷺ معهم إحسان؛ إذ ما من
جانب إلا وأنت راءٍ أن فضله ﷺ عليهم ظاهر، وجوده عليهم بيِّن،
ودلائل ذلك فوق الحصر، ومن أوضح ذلك:
حرصه ﷺ على أدائهم للنسك معه، وإقناعه لمن لم يكن
ينوي منهم الخروج بالمبادرة إلى ذلك، كما في قصة ضباعة ﵂ حين
دخل عليها النبي ﷺ فقال لها: «أردت الحج؟ قالت: والله ما
أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث
حبستني» [١٥١] .
ومنها: خروجه ﷺ بجميع نسائه ﵅ [١٥٢] ،
وهو أمر يفوق العدل كما هو جلي لمن تدبر؛ إذ كان بوسعه ﷺ
أن لا يخرج بواحدة منهن، أو أن يقرع بينهن ويخرج بإحداهن.
٨ - الاستعانة بهم واستعمالهم:
استعان النبي ﷺ بآل بيته ﵃، واستنابهم
واستعملهم في بعض أمره، ومن شواهد ذلك:
جعله ﷺ زوجه عائشة ﵂ تفتل له قلائد بُدْنِه
من صوف كان عندها بالمدينة قبل أن يحرم [١٥٣] .
ومنها: ما رواه ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: القطْ لي حصى، فلقطت له سبع
حصيات» [١٥٤] .
ومنها: إعطاؤه ﷺ لعلي ﵁ ما بقي من بُدْنِه
لينحرها [١٥٥] ، وأمره ﷺ له بأن يقوم على بُدْنِه، وبأن يتصدق
على الناس بلحومها وجلودها وأجلتها [١٥٦] .
ومنها: استسقاؤه ﷺ من بني عمه حين جاء إليهم وهم
يسقون الناس من زمزم، فقال لعمه العباس ﵁: «اسقني، فشرب
منه» [١٥٧] ، ويدل عليه أيضا حديث ابن عباس ﵄ قال:
«سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم» [١٥٨] .
وبعد:
فإن ما سبق من سطور لا يعدو أن يكون ومضات مشرقة من أحواله صلى
الله عليه وسلم في الحج، كتبت من مقل على عجل، راجياً من ربي قبولها والنفع
بها، لتكون عوناً للسائرين إليه ﷿ على حج مبرور وذنب مغفور،
والموضوع أكبر من أن يحيط به مثلي، وهو بحاجة إلى مزيد بحث، وإمعان فكر،
وتدقيق نظر، أسأل الله أن يهيئ له من يقوم به على وجهه من أهل العلم، إنه
على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى
آله وأصحابه أجمعين.