دراسات في الشريعة والعقيدة
هكذا كان ﷺ في رمضان
فيصل بن علي البعداني
أمر الله تعالى عباده باتباع نبيه ﷺ، وأوجب عليهم طاعته.
وسبيل العبد للوصول إلى تحقيق ذلك هو التعرف على هديه ﷺ،
والحال التي كان عليها ﷺ في شأنه كافة. وليس بخاف على مسلم
أن الهدي النبوي هو أكمل ما عُرف من هدي وأعظمه، وأنه بمقدار قرب العبد منه
ﷺ وعمله بمثل عمله ﷺ يتدرج في سلم الوصول
إلى العلا، ويصعد في مراقي الكمال البشري.
ولما كان شهر رمضان من أعظم مواسم الإسلام وأجلها، ومن أكثر الفرص
السانحة أمام العبد لكي يتقرب من الله تعالى وينال رضاه، كانت هذه المحاولة
للتعرف على هديه ﷺ في رمضان، علّها تكون دليلاً للعاملين
ونبراساً للسائرين، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وخشية من
طول الموضوع [*] ، ولأن المراد الإشارة مع نوع تركيز على الجوانب التي تهم
المسلم عملاً ودعوة فسأجعل الموضوع مقتصراً على محاور أربعة:
أولاً: حاله ﷺ مع رمضان قبل قدومه:
كان ﷺ شديد الزهد في الدنيا عظيم الرغبة فيما عند الله
تعالى والدار الآخرة، وخير دليل على ذلك: قيامه ﷺ عملياً
بالاستعداد للأمر وتهيئته النفس لاستقبال رمضان مقبلة على الخير، نشيطة في
الطاعات؛ لتغتنم الفرصة كاملة، وتهتبل الموسم كله. هكذا كان هدي سيد الورى
ﷺ مع رمضان؛ إذ قام ﷺ بالعديد من الأمور
قبله، لعل من أبرزها:
* إكثاره ﷺ من الصيام في شعبان [١] . قالت عائشة: «لم
أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان
يصوم شعبان إلا قليلاً» [٢] .
* تبشيره ﷺ أصحابه بقدومه وتهيئتهم للاجتهاد فيه بذكر
بعض خصائصه وتضاعف الأجور فيه؛ ومن ذلك قوله ﷺ:
«إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت
أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي
منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! ولله عتقاء من النار، وذلك
كل ليلة» [٣] .
* بيانه ﷺ لأصحابه بعض الأحكام الشرعية المتعلقة
بالصيام: وفي هذه المقالة جملة من ذلك.
* عدم دخوله ﷺ في صيام رمضان إلا برؤية شاهد أو إتمام
عدة شعبان ثلاثين، عن ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله
ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصيامه» [٤] .
فأين أنت من التهيؤ لرمضان قبل نزوله، فهو ضيف غنيمة لهذه الأمة،
ينزل عليهم، فيذكر غافلهم، ويعين ذاكرهم، وينشِّط عالمهم، ويشحذ همهم
للطاعات، فتمتلئ مساجدهم، وتجود نفوسهم، وينتصر مجاهدهم.. فما أحقه بأن
تعدّ العدة لاستقباله!
ثانياً: أحواله ﷺ مع ربه في رمضان:
كان نبي الهدى ﵊ أعرف الخلق بربه سبحانه، وأعظمهم
قياماً بحقه.. تدرج في سلم الكمال البشري فبلغ مبلغاً يعجز عن فهمه أكثر العالمين،
فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! ثم هو يقوم من الليل حتى تنتفخ
وتتفطر قدماه. كان له ﷺ بكاء المذنبين وأنين العاصين ودعاء
المكروبين. وأحواله مع ربه في رمضان أنموذج حي يصوِّر عبادته صلى الله
عليه وسلم وأشكال خضوعه لبارئه فينطق محدِّداً جوانب عدة، أبرزها:
* صيامه ﷺ لشهر رمضان: وهذا بيِّن، والمراد من إيراده
مع بداهته التذكير بشيء من صفة صيامه ﷺ، ومن ذلك:
١ - سحوره ﷺ، وتأخيره للسحور، حيث كان صلى الله
عليه وسلم يتناوله قبل أذان الفجر الثاني بقليل، وكذا إفطاره، وتعجيله للإفطار،
حيث كان ﷺ يفطر قبل أن يصلي المغرب، وكان يفطر على
رطب أو تمر أو ماء. وأيضاً: تواضع إفطاره وسحوره ﷺ.
ندرك هنا أن التكلف الذي نشهده اليوم في إفطار الناس وسحورهم هو أبعد شيء
عن هديه ﷺ؛ ذلك أنه يوسّع حظ النفس بما يلهي ويثقل عن
الطاعة. فحري بالكيس الحازم أن يضبط الأمر ويحدَّ منه، دون التذرع بالواهي
من الحجج، من تناول الطيب وإكرام الضيف.. بما يفوت خيراً كثيراً. وليتأس
بنبيه ﷺ فيما عرف من أحواله.
٢ - دعاؤه ﷺ عند الإفطار، بقوله: «ذهب الظمأ،
وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» [٥] .
٣ - سواكه ﷺ في حال الصيام، لما رُوِيَ عن عامر بن
ربيعة قال: «رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو ... صائم» [٦] .
٤ - صبه ﷺ الماء على رأسه وهو صائم، لحديث أبي بكر
ابن عبد الرحمن قال: «عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: لقد
رأيت رسول الله ﷺ بالعرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من
العطش أو من الحر» [٧] .
٥ - وصاله ﷺ الصيام أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره
على العبادة [٨] . عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا.
قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إني أُطعم وأُسقى أو إني أبيت أُطعم
وأُسقى» [٩] .
٦ - سفره ﷺ في رمضان، وصومه ﷺ
في حين وفطره في آخر. عن طاوس عن ابن عباس قال: «سافر رسول الله
ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء
فشرب نهاراً ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة، قال: وكان ابن عباس يقول: صام
رسول الله ﷺ في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء
أفطر [١٠] . قال ابن القيم:» ولم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة
التي يفطر فيها الصائم بحدِّ، ولا صح عنه في ذلك شيء ... وكان الصحابة
حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك
سنته وهديه ﷺ ... قال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك
في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رُحِّلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا
بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب « [١١] . ومهما نقل عن أئمة
الفقه، وأهل العلم في الأفضل من الفطر، أو الصوم في السفر فيبقى أن الصوم
والفطر في السفر، كل ذلك من هديه ﷺ، وهذا ما ينبغي أن
يراعيه المتعجلون بالإنكار على المفطرين أو الصائمين في السفر.. فلكل مأخذه
وحجته.
٧ - خروجه ﷺ من الصيام برؤية محققة أو بإتمام الشهر
ثلاثين، يدل لذلك قوله ﷺ:» صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا
وأفطروا « [١٢] .
هذه بعض الجوانب التي تجلي للمسلم شيئاً من صفة صومه صلى الله عليه
وسلم، والتي يظهر ﷺ من خلالها حريصاً على الإتيان بمستحبات
الصوم وآدابه. وهذا ما يدفع المسلم إلى أن يتأمل في صيامه، ويعمل على تحسين
حاله، ليكون أشد تأسياً بالنبي ﷺ، وأكثر قرباً منه.
* قيامه ﷺ الليل في رمضان. ولعل أبرز ما تميز به قيامه
ﷺ ما يلي:
١ - أنه ﷺ لم يكن يزيد في قيامه على إحدى عشرة ركعة،
أو ثلاث عشرة ركعة، كما يدل لذلك حديث عائشة قالت:» ما كان رسول الله
ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة « [١٣] ،
وحديثها الآخر قالت:» كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل
ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين « [١٤] .
٢ - أنه ﷺ لم يكن يقوم الليل كله، بل كان يخلطه بقراءة
قرآن وغيره، يدل لذلك حديث عائشة قالت:» ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه
وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير
رمضان « [١٥] ، وحديث ابن عباس، وفيه:» وكان جبريل يلقاه كل ليلة في
رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه ﷺ القرآن « [١٦] .
٣ - أن غالب قيامه ﷺ كان منفرداً؛ خشية أن يُفرض القيام
على أمته. لقد كان شديد الخوف أن يفرض عليها القيام فيقصِّر فيه أناس فيأثموا..
هذا مع شدة حرص صحابته الكرام على أن يقوم بهم غالب الليل أو كله، لكنه
ينظر لمن بعدهم، وكأنه يرى ضعفنا وشدة عجزنا. وفي هذا درس بليغ للدعاة أن
يجمعوا مع الاجتهاد وبذل غاية الوسع في هداية الأمة ودعوتها.. خوفاً شديداً من
وقوعها في الإثم رحمة بها.
٤ - إطالته ﷺ لصلاة القيام؛ فقد سئلت عائشة: كيف كانت
صلاة رسول الله في رمضان؟ فقالت:» ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره
على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي
أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، فقلت: يا رسول الله، أتنام
قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة! إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي « [١٧] . وبذا يتجلى
لنا خطأ كثير من الحريصين على الاقتداء به ﷺ، والذين
يحرصون على التأسي به في العدد دون الكيفية: من إطالة وخشوع وطمأنينة،
نسأل الله تعالى التوفيق للصواب.
* مدارسته ﷺ القرآن مع جبريل ﵇ فعن ابن عباس:
» كان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه
ﷺ القرآن « [١٨] . وفي رواية: (فيدارسه) [١٩] : وهذه صيغة
فاعلة تفيد وقوع الشيء من الجانبين [٢٠] . فإذا كان هذا الحرص وتلك العناية
بمدارسة القرآن ممن جمع الله له القرآن في صدره، وتولى تفهيمه إياه، فما أحوجنا
إلى مثل هذه المدارسة لننعم بهداية القرآن الكريم؟
* تواضعه وزهده ﷺ: وشواهده كثيرة، منها:
سيلان ماء المطر من سقف المسجد على مصلاه ﷺ وسجوده في
ماء وطين [٢١] ، وصلاته ﷺ قيام الليل على حصير [٢٢] ،
واعتكافه ﷺ في قبة تركية على سدتها حصير [٢٣] ، واعتكافه
ﷺ في بيت من سعف [٢٤] ، وتواضع فطوره وسحوره صلى الله
عليه وسلم، كما تقدم، ومنها: قلة طعامه ﷺ. قال عبد الله بن
أنيس:» ... فأُتي [أي: النبي ﷺ في رمضان] بعشائه فرآني
أكفُّ عنه من قلِّته ... « [٢٥] .
ومن هذا يتبين أن الأقرب إلى هديه ﷺ هو التواضع والزهد
(وهو: ترك ما لا ينفع في الآخرة) ، والتقلل من نعيم الدنيا، والحرص على
الاخشيشان والبذاذة والتبسط وترك التكلف الذي يكون دافعه تواضع القلب لله تعالى
وإخباته له، وإقباله عليه، وطمأنينته ورضاه به، وتعلقه بنعيم الآخرة الباقي،
وهذه حقيقة الزهد، لا أن نترك ذلك ظاهراً والقلوب شغوفة متطلعة إليه مشغولة
به، فتلك عبودية الدنيا كعبودية الدرهم والدينار.
* إكثاره ﷺ من الإحسان والبر والصدقة. قال ابن عباس:
» كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في
رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه
القرآن، فلَرَسُولُ الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح
المرسلة « [٢٦] . وعلة زيادة جوده ﷺ في رمضان:» أن
مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود « [٢٧] . إنه
أثر القرآن.. وثمرة الزهد، وكفى! !
* جهاده ﷺ في رمضان، وجعله منه شهر بلاء وبذل
وفداء، ويتجلى ذلك بأمرين:
الأول: غزوُه ﷺ للمشركين في رمضان، وكون أعظم
انتصاراته ﷺ وأجلّها والمعارك الفاصلة التي تمت في حياته كانت
فيه. قال أبو سعيد الخدري:» كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في
رمضان « [٢٨] ، وقال عمر بن الخطاب قال:» غزونا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم في رمضان غزوتين يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما « [٢٩] .
الثاني: السرايا والبعوث العديدة التي كانت في رمضان، وهي كثيرة [٣٠] .
وجهاده ﷺ وأصحابه مع اجتهادهم في العبادات الأخرى دلالة على
أثر الصيام الإيجابي فيما يورثه لصاحبه من قوة في النفس تورث قوة في الجسد.
على أن ما يحتاجه الجسم من الغذاء أقل مما نتصوره اليوم، وإنما تخور قوى
الصائمين المترفين الذين ألفوا الملذات فجهدت نفوسهم بغياب ملذاتها وشهواتها
وتأخرها عنهم؛ إذ لنفوسهم على قلوبهم غلبة وسلطان، والله المستعان.
اعتكافه ﷺ وخلوته بربه سبحانه: والمتأمل في حاله في
الاعتكاف يلحظ ما يلي:
١ - اعتكافه ﷺ في المدينة في رمضان من كل سنة،
وتقلبه ﷺ في الاعتكاف في كل عشر من الشهر، ثم استقراره في
آخر الأمر على الاعتكاف في العشر الأواخر منه، لإدراك ليلة القدر.
٢ - أمره ﷺ بأن يُضرب له خباء في المسجد يلزمه يخلو
وحده فيه بربه» [٣١] . قال ابن القيم: «كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف
وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة للزائرين،
وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله
الموفق» [٣٢] .
٣ - دخوله ﷺ معتكفه إذا صلى فجر اليوم الأول من العشر
التي يريد اعتكافها، يدل لذلك قول عائشة: «كان رسول الله ﷺ
إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه» [٣٣] .
٤ - حرصه ﷺ وهو معتكف على حسن مظهره ونظافة
جسده، كما في ترجيل عائشة شعره.
٥ - زيارة أزواجه ﷺ في حال اعتكافه وحديثه معهن، يدل
لذلك حديث صفية قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته
أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت ... » [٣٤] .
٦ - عدم خروجه ﷺ من معتكفه إلا لحاجة، يدل لذلك
قول عائشة: أنه ﷺ «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان
معتكفاً» [٣٥] وربما أخرج بعض جسده من المعتكف لحاجة، كترجيل
رأسه [٣٦] .
٧ - خروجه ﷺ من معتكفه مصبحاً لا ممسياً من الليلة التي
تلي اعتكافه، كما في حديث أبي سعيد الخدري «أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة
إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه» [٣٧] .
وفي اعتكافه ﷺ وانقطاعه من نفسه ليجتهد في ذكر ربه
وعبادة مولاه مع كونه المنتصب لدعوة الناس القائم بشؤون الأمة: دليل على
مسيس حاجة الدعاة إلى أوقات خلوة ومراجعة ومحاسبة، وإن التقصير في ذلك
يرسخ عيوب النفس ويزيد أمراضها، حتى تكون مزمنة، كما أن حرمان القلب من
زادِهِ مورث لقسوته وغفلته وقلة بصيرته وفُرقَانه، وأيضاً فإن ترك استمداد عون
المعين طريق الخذلان. ومن أفضل السبل لتدارك ذلك: الخلوة بالنفس لتجديدها،
ولا أفضل من الاعتكاف لتحقيق ذلك. وقد كثر في الناس ترك هذه السنة المباركة،
قال الإمام الزهري: «عجباً للمسلمين! تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله
عليه وسلم، ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله ﷿» [٣٨] .
* حرصه ﷺ على تحري ليلة القدر.
* اجتهاده ﷺ في العشر الأواخر وتركه النوم في لياليها.
قالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل،
وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر» [٣٩] .
* حرصه ﷺ على مخالفة أهل الكتاب في أعمال رمضان،
وهذا بيِّن من قوله ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عَجَّلُوا الفطْر.
عَجِّلُوا الفطر فإن اليهود يؤخرون» [٤٠] .
* إكثاره ﷺ من العمل في رمضان في آخر حياته. عن أبي
هريرة قال: «كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة،
فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشراً،
فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه» [٤١] .
تلك معالم بارزة وصور مضيئة في صون الحبيب ﷺ
لأشرف علاقة في حياة الإنسان، وتحقيقه لغاية المحبة لمولاه ﷿ بقيامه بأمره
ورعايته لدينه وتكميله لطاعته. إنها النبراس لسالك الصراط المستقيم، من حاد
عنها اضطرب أمره وتفرق شأنه، ولم يزل في عوج ولُجَج حتى يبغي طريقاً إلى
سنته ﷺ.
ثالثاً: أحواله ﷺ مع زوجاته في رمضان:
من تتبع حاله ﷺ مع زوجاته في رمضان علم مدى التوازن
الضخم الذي كان محققاً له ﷺ في حياته؛ إذ كان صلى الله عليه
وسلم كما وصف نفسه: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» [٤٢] ، «خيركم خيركم
لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [٤٣] . وتبرز أحواله مع أهله مما يلي:
* تعليمهن: ومن ذلك: أن عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي
ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف
عني» [٤٤] ، وحديثها «أنه ﷺ قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل،
فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، وكان بلال يؤذن حين يرى الفجر» [٤٥] ، بل
إن إخبارهن بجانب من عشرتهن وما علمنه من حاله ﷺ كان
طريق الأمة لمعرفة كثير من هديه ﷺ في رمضان وذلك لا يخفى.
* حثه ﷺ لهن على فعل الخير وإتيان العمل الصالح؛ حيث
أرسل إليهن للصلاة مع الناس خلفه [٤٦] .
من هذه الآثار ندرك حكمة من حِكَم تعدد أزواج النبي ﷺ
وكثرتهن مع انشغاله بأمر الأمة؛ فقد كان ذلك جزءاً أساساً من عملية إرشاد الأمة
وتعليمها الإسلام كافة بكل جوانبه الشمولية، ولم يكن شيء من ذلك يتحقق لولا
عنايته ﵊ بتعليمهن: إرشاداً وتوجيهاً وإجابة وبياناً وترغيباً
وترهيباً. وهذا فوق أنه منطلق دعوي مهم، فهو رعاية للمسؤولية الأولى، وحفظ
لكيان البيت والأسرة من الجهل والكسل.
فَحَيَّ على أسركم يا أتباع محمد ﷺ و [قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] (التحريم: ٦) .
* حسن عشرته ﷺ لهن. ومن الأمور الدالة على ذلك:
١ - مواقعته ﷺ لهن في غير العشر الأواخر، يشهد لذلك
حديث عائشة قالت: «كان ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا
ليله وأيقظ أهله» [٤٧] ، قال ابن حجر: «قوله: شد مئزره: أي: اعتزل
النساء» [٤٨] .
٢ - تقبيله ﷺ لزوجاته ومباشرته لهن وهو صائم، قالت
عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقبِّل في شهر الصوم» [٤٩] ،
وسألها الأسود ومسروق: أكان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟
قالت: «نعم، ولكنه كان أملككم لإربه» [٥٠] .
٣ - مراعاته ﷺ لهن وحرصه على الاستقرار الأسري؛ إذ
ترك الاعتكاف في سنة كما تقدم، خشية على نسائه من أن يقع بينهن أو في
نفوسهن شيء [٥١] .
٤ - زيارة نسائه ﷺ له في معتكفه وتبادله الحديث معهن
ساعة، وخوفه ﷺ عليهن وحمايته لهنَّ، قالت صفية: «كان
ﷺ في المسجد وعنده أزواجه فَرُحْن، فقال لصفية بنت حيي: لا
تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج ﷺ
معها» [٥٢] .
٥ - اعتناؤه ﷺ بمظهره وتنظيفه لجسده.
فأين هذا ممن حظ أهله من أخلاقه أسوؤها، ومن أوقاته آخرها، ومن تفكيره
فضلته، ومن اهتمامه ثمالته.. حتى ما عادوا يطمعون في بره، ولا يأملون في
خيره؟ ! ثم هو يرجو منهم براً وإحساناً! إنك لا تجني من الشوك العنب! .
* خدمة نسائه ﷺ له، ومن ذلك:
تغسيل زوجه ﷺ رأسه وترجيلها لشعره وهو صلى الله عليه
وسلم معتكف كما عرف، وضرب زوجه الخباء له ﷺ في المسجد
ليعتكف فيه [٥٣] ، وضرب زوجه الحصير له ﷺ ليصلي عليه
وطيها له [٥٤] ، ومنه: إيقاظ أهله ﷺ له، كما في حديث أبي
هريرة «أن رسول الله ﷺ قال: أُريت ليلة القدر، ثم أيقظني
بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر» [٥٥] .
* إذنه ﷺ لزوجاته بالاعتكاف معه.
* قيامهن ببعض العبادات معه ﷺ، ومن ذلك:
١ - الاعتكاف؛ والظاهر أن غالب زوجاته لم يكن يعتكفن معه صلى الله
عليه وسلم في حياته، أما بعد وفاته ﷺ فالظاهر اعتكافهن بعده،
يدل لذلك حديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر
الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» [٥٦] .
٢ - قيام الليل في بعض ليالي رمضان جماعة في المسجد، يدل لذلك حديث
أبي ذر، وفيه: «ثم لم يصلِّ بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة،
ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال:
السحور» [٥٧] .
* زواجه ﷺ ببعض نسائه في رمضان. كزينب بنت خزيمة
أم المساكين [٥٨] ، وحفصة، وزينب بنت جحش، [٥٩] .
وبعد: فإن من أوكد الواجبات بداية الرجل عموماً والداعية خصوصاً بتعليم
أهله وقرابته، قال تعالى: [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] (الشعراء: ٢١٤) ،
وإذا كان إنفاق الرجل على أهله أفضل من الصدقة وأعظم منها أجراً [٦٠] ، فإن
تعليمه وحسن معاملته لهم أفضل وأعظم أجراً من تقديم ذلك لغيرهم مع الأهمية في
كلٍ، فنحن بحاجة إلى إحياء شعار: «ابدأ بمن تعول» [٦١] ، مع بَعْثِ منهج
التوازن والوسطية النبوية التي لا تهمل جانباً على حساب آخر.
رابعاً: أحواله ﷺ مع أمته في رمضان:
حاله ﷺ مع أمته في رمضان هو جزء لا يخرج عن
الصورة العامة لهديه في سائر العام، مع مزيد توجيه وتعليم فيما يخص رمضان.
وقد تقلب ﷺ مع صحابته في هذا الشهر بين أحوال عدة، جملتها
فيما يأتي:
* تعليمه ﷺ لأصحابه. ومن ذلك: حديث شداد بن أوس
«أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع، وهو يحتجم،
وهو آخذ بيدي، لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم
والمحجوم» [٦٢] .
والتعليم مهمة الأنبياء وأتباعهم، قال ﷺ: «إن الله لم
يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» [٦٣] ، وقال الأسود بن يزيد:
«أتانا معاذ بن جبل اليمن معلماً وأميراً» [٦٤] ، وهي مهمة شريفة عليَّة الرتبة،
بها يرتفع شأن صاحبها، ويعظم أجره، ويزيد برُّه، ويعم خيره، ويبقى ذكره ...
وللدعاة في رمضان فرصة دعوية سانحة حريّة بالاغتنام مع بذل غاية الجهد في
تعليم الناس وتفقيههم وتعريفهم حقيقة الإسلام والإيمان، واستغلال إقبالهم على
المساجد في استصلاح قلوبهم وأعمالهم.
* إرشاده ﷺ لأصحابه وتوجيهه ووعظه لهم. ومن ذلك:
حديث ابن عمر قال: «اعتكف رسول الله ﷺ في العشر الأواخر
من رمضان، فاتُّخِذَ له فيه بيت من سعف، قال: فأخرج رأسه ذات يوم، فقال:
إن المصلي يناجي ربه ﷿ فلينظر أحدكم بما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم
على بعض بالقراءة» [٦٥] .
* تحفيزه ﷺ لأصحابه على المبادرة في العمل الصالح وبيان
ثواب ذلك لهم. ومنه: حديث أبي هريرة في الحث على الصيام، وفيه: «والذي
نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه
وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر
أمثالها» [٦٦] .
وتحفيزه ﷺ: دليل على حرصه على نفع صحبه الكرام،
وعلى أن النفوس مهما بلغت من الكمال والمسابقة في الخيرات لا تستغني عن
النصح والتوجيه ترغيباً وترهيباً. وقد أفرط قوم في ذلك فصار حديثهم يكاد لا
يخرج عن ذلك في رمضان وغيره! حتى ألفته النفوس وملَّته، وفرّط آخرون
فصار حديثهم جافاً غليظاً لما أهملوا خطاب القلوب وتحريك العاطفة، في الوقت
الذي أهمل فيه الأولون خطاب العقل وتحريك الفكر. ومنهج القرآن بين هذين،
فليكن لأتباعه منهجاً.
* إفتاؤه ﷺ لمن سأله من أصحابه، وعدم معاتبته لمن أذنب
وجاء تائبا مستفتياً. فعن عائشة قالت: «أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المسجد في رمضان، فقال: يا رسول الله! احترقت احترقت! فسأله
رسول الله ﷺ ما شأنه؟ فقال: أصبت أهلي، قال: تصدَّق،
فقال: والله يا نبي الله! ما لي شيء وما أقدر عليه، قال: اجلس فجلس، فبينا هو
على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، فقال رسول الله ﷺ
أين المحترق آنفاً؟ فقام الرجل فقال رسول الله ﷺ: تصدق بهذا،
فقال: يا رسول الله! أغيرنا؟ فوالله! إنا لجياع ما لنا شيء! قال: فكلوه» [٦٧] ،
ومثله حديث سلمة بن صخر الأنصاري [٦٨] .
وهذا الموقف وأشباهه في حياة المصطفى ﷺ داع لحَمَلةِ
رسالته أن تمتلئ قلوبهم رحمة بالمدعوين تورث رقة في التعامل معهم، ورفقاً
بسائلهم، وشفقة على مذنبهم. تلك الميزة التي تضعف لدى بعض المنتسبين للعلم
والدعوة والإصلاح حيث يظنون أن المقصر لا يستحق إلا التوبيخ والتقريع والذم
والإسقاط جزاء تقصيره، ويغيب عن أذهانهم هديه ﷺ وصنيعه
مع من واقع زوجته في رمضان، وغير ذلك كالذي بال في المسجد، والذي تكلم
في الصلاة؛ بل حتى مع من طلب الإذن له بالزنا! والدافع إلى ذلك كله الرغبة
في هداية الخلق ورحمتهم والعطف عليهم. ويتأكد الأمر في رمضان حين يقبل
عامة الناس على المساجد، وتكثر أسئلتهم عن أحكام الصيام، وعما اقترفوا من
الذنوب ... إن هؤلاء يفتقرون إلى قلوب حانية رقيقة تمسح موضع الداء بلطف،
وتعالجه برفق وتخفف المصاب حتى يظهر للمخطئ الصواب، فيعود إليه.
* إمامته ﷺ بالناس. وقد أَمَّ أصحابه في قيام الليل في بعض
ليالي رمضان، وما منعه من الاستمرار إلا خشيته ﷺ من أن
تفرض عليهم فيعجزوا عنها.
* خطبته ﷺ فيهم وحديثه إليهم عقب بعض الصلوات [٦٩] .
* جعله ﷺ من نفسه قدوة لأصحابه، ومن الدلائل على ذلك:
١ - خروجه ﷺ إلى المسجد ليصلي فيه من الليل، كما في
حديث عائشة «أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل
فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته ... » [٧٠] .
٢ - اعتكافه ﷺ لتحري ليلة القدر، وحثه لأصحابه على
ذلك.
* إفطاره ﷺ في السفر بعد العصر ليراه أصحابه، وذلك بعد
أن بلغ بهم الجهد مبلغه.
إن بإمكان الداعية أن يدبج خطباً رنانة ومواعظ بليغة لكنها لن تجد طريقها
إلى القلوب كما لو رأت العيون ذلك برؤيتها تطبيق ما سمعت الأذن.
* رحمته ﷺ بأصحابه. ومن الأمور الدالة على ذلك:
١ - أمره ﷺ لأصحابه بالإفطار في السفر قبل ملاقاة العدو،
فعن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: «رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم. وصام
رسول الله ﷺ» [٧١] .
ومن رحمته: نهيه ﷺ لأصحابه عن الوصال رحمة بهم،
وحثه ﷺ لأصحابه على تعجيل الفطر وتناول السحور، وتركه
ﷺ الصلاة بأصحابه جماعة في قيام الليل خشية من أن تفرض
عليهم، وتخفيفه ﷺ الصلاة حين كان إماماً بهم.
* حثه ﷺ لأصحابه على طهارة النفس وتوقي الذنوب. ولذا
قال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه
السهر» [٧٢] .
لقد توجهت عناية كثير إلى إصلاح الظاهر والشدة فيه وإنكار المعاصي
والذنوب الجليَّة، مع ضعفٍ في تناول ذنوب القلب وأمراضه التي تورث ذنوب
الجوارح، مع أن النبي ﷺ يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا
صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [٧٣] ،
وهذا يعني أن من الصعب النجاح في إصلاح الظاهر ما لم يُعتن بالباطن العناية
التي يستحقها مع تجنب إهمال الظاهر، حتى يتهيأ لنظرة الرضى من الرب تعالى؛
كما قال ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن
ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [٧٤] .
* مخالطته ﷺ لأصحابه واستماعه إليهم وعدم ترفعه عنهم.
ومضى من هذا كثير.
ومخالطة الداعية للناس شرط لا يتحقق التأثير والإصلاح بدونه. والمخالطة
ليست مرادة لذاتها، وإنما لما تثمره من تعليم للخير، وتوجيه نحو الصواب
والأفضل، وتصحيح للمفاهيم، ووقوف على الخطأ، وتهذيب للسلوك، ومعاونة
على الخير وتقوية لأهله، فالمهم هو المخالطة الواعية الموظَّفة توظيفاً حسناً. كما
أن من المهم أن لا يستغرق الداعية في المخالطة حتى تذهب الهيبة، وتفقد المخالطة
روحها، وحتى ينسى نفسه وأهله، ولذا اعتنى الداعية الأول ﷺ
بالاعتكاف؛ لما يحقق من عزلة وخلوة لا غنى للداعية الرصين عنها. فليتوازن
الداعية، والله المعين.
* تأديبه ﷺ لمن خشي عليه التعمق، كما واصل بمن أبوا
إلا الوصال [٧٥] . إن شريعة الإسلام شريعة اليسر والسهولة «ولن يشادّ الدين أحد
إلا غلبه» [٧٦] ، ولطالما تواردت النصوص على هذا الأصل: أصل التيسير
ورفع الحرج.. وهذه خاصية الدين الواقعي الملائم للفطرة، والذي أراد الله له
البقاء حتى تقوم الساعة.
وتنكيله ﷺ بمن أرادوا الوصال ينسجم مع ذلك الأصل؛ إذ
خشي ﷺ عليهم العنت والمشقة، لكن لما كانت بعض النفوس لا
يكفيها الكلام احتاج ﷺ إلى العقوبة، ولم تكن تلك العقوبة على أمر
محرم، فلو كان محرماً ما فعلوه، ولما أقرّهم عليه، بل إنه زادهم من جنس ما
رغبوا فيه، حتى يدركوا الفرق بينهم وبينه ﷺ.
* استقباله ﷺ لمن وفد عليه. قال ابن إسحاق: «وقدم
رسول الله ﷺ المدينة من تبوك، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد
ثقيف» [٧٧] .
إن مخالطته ﷺ للناس في رمضان صفحة من جهده الدعوي
فيه، وهو ما يحتاجه الدعاة للتأسي به.
* أمره ﷺ لأصحابه بإخراج زكاة الفطر من رمضان.
* إيكاله ﷺ بعض الأعمال إلى أصحابه، كما وكّل أبا
هريرة بحفظ زكاة رمضان [٧٨] .
وفي هذا تخفيف من الجهد عليه؛ لأن الشخص بمفرده لا يطيق القيام بجميع
المهام، فلا مفرّ من توكيل الآخرين وتفويضهم في القيام بالأعمال وإنجاز المهام،
وهذا يعكس في الوقت نفسه ثقة الداعية في أصحابه، وهكذا كان صلى الله عليه
وسلم يعامل صحبه الكرام، حتى كانوا رجال أمة ودولة.
وأخيراً: فأحسب تلك الصفحات قد أطلعتنا على جزء يسير من سيرته العطرة
ﷺ. فما أمسَّ حاجتنا إلى التنعم في ظل سيرته صلى الله عليه
وسلم والعيش مع أخباره، والتعرف على أحواله، وترسم هديه وطريقته ... كيف
لا؛ وذلك الطريق هو السبيل الأوحد لنيل محبة الخالق تعالى والقرب منه، كما قال
﷿: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (آل عمران: ٣١) .