Lewati ke konten

Kitab: مجلة البيان · Pengarang: مجموعة من المؤلفين

Baca Juz 194, halaman 4

  1. ١٩٤ - شوال - ١٤٢٤هـ
  2. حاجتنا إلى الوعظ..؟

الافتتاحية

حاجتنا إلى الوعظ..؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين..

وبعد:

فقد اعتاد بعض المثقفين المعاصرين ذم الخطاب العاطفي مطلقاً والتهوين من

شأنه، ويذكرونه غالباً في مقابل الخطاب العلمي المتزن، والخطاب الفكري العميق؛

ولهذا قد يَزْهد بعضهم في المواعظ، ويأمر المثقفين وطلبة العلم بالانفضاض عن

الوعاظ مطلقاً، فحديثهم فيما يزعم يصلح للعامة والدهماء والبسطاء..!

ولا شك في أن الخطاب العلمي هو الخطاب الذي ينبغي أن يُعتمد عليه،

ولكن لماذا نعدُّ الخطاب الوعظي خطاباً ليس علمياً..؟!

أهو بالنظر إلى حقيقة الخطاب الوعظي؟ أم إلى ما تعارف عليه الوعاظ؟

ثم ألا يمكن الارتقاء بالخطاب الوعظي ليكون جامعاً بين الالتزام العلمي

والبناء العاطفي..؟

لقد وصف الله تعالى كتابه العزيز بأنه (موعظة) ، فقال سبحانه: [وَلَقَدْ

أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ] (النور:

٣٤) . وقال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا

فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ] (يونس: ٥٧) .

ووعظ الله ﷿ عباده في كتابه العزيز في مواعظ كثيرة، منها قوله:

[إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً] (النساء: ٥٨) . وقال:

[يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (النور: ١٧) . وقال:

[وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ]

(البقرة: ٢٣١) .

ومن المسائل الجديرة بالتأمل: أنَّ بيان كثير من الأحكام الشرعية في القرآن

يُصدَّر بالموعظة أو بالأمر بالتقوى أو يُختم بأحدهما، ومن ذلك: أن الله لمَّا ذكر

أحكام الفرائض قال: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي

مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ

حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ] (النساء: ١٣-١٤) . وقال تعالى:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (البقرة: ٢٧٨) ، وفي سياق آيات الطلاق قال الله تعالى: [ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ

بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ] (الطلاق: ٢) .

وأمر الله ﷾ رسوله ﷺ بأن يعظ الناس، فقال:

[فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً] (النساء: ٦٣) ؛ ولهذا

كان رسول الله ﷺ يعظ أصحابه ﵃؛ ومن ذلك

ما رواه العرباض بن سارية ﵁: «وعظنا رسول الله صلى الله

عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل:

يا رسول الله! كأنها موعظة مودّع؛ فأوصنا ... » [١] . وعن جابر بن عبد الله

﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد،

فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر

بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء،

فوعظهن وذكّرهن ... الحديث» [٢] .

ومواعظ النبي ﷺ لأصحابه كثيرة جداً، وحسبك أن تقرأ

كتاب (الرقاق) في صحيح البخاري لتقف على شيء كثير من مواعظه عليه

الصلاة والسلام.

إن الموعظة إحياء للقلب، وكبح لجموح النفس وإسرافها، وبعدها عن ربها،

وغفلتها عن ذكره، والقلب الجامد الذي لا يتأثر بالموعظة كالصخرة الصمّاء،

ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «اللهم! إني أعوذ بك من علم لا

ينفع، ومن قلب لا يخشع» [٣] .

كما أن العين المجدبة التي لا تبكي من خشية الله لا نور فيها، قال رسول الله

ﷺ: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية، وعين

باتت تحرس في سبيل الله» [٤] .

تأمل تربية النبي ﷺ لأصحابه ﵃،

وسوف ترى أنَّ النبي ﷺ بمواعظه استطاع أن يُطهرهم من

حظوظ النفس وأهوائها، ويُليِّن قلوبهم، ويجعلها تتعلق بالآخرة، ومن أبلغ الأمثلة

على ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁: «أنَّ ناساً قالوا لرسول الله

ﷺ حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق

يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله

عليه وسلم؛ يعطي قريشاً ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!» .

سبحان الله! موقف عجيب استثار بعض الأنصار ﵃ وكاد

يذهب ببعضهم مذهباً بعيداً؛ لكن انظر إلى موعظة النبي ﷺ لهم،

وكيف أنه هذّب نفوسهم، وطهرها من علائق الدنيا.. مواعظ يسيرات؛ لكنها

تجاوزت الآذان لتستقر في القلوب!

قال أنس ﵁: «فحُدِّث رسول الله ﷺ

بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدعُ معهم أحداً غيرهم،

فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ، فقال: ما كان حديث بلغني

عنكم؟ فقال له فقهاؤهم: أما ذوو آرائنا يا رسول الله! فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس

منّا حديثة أسنانهم؛ فقالوا: يغفر الله لرسول ﷺ؛ يعطي قريشاً

ويترك الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ:

إني لأعطي رجالاً حديثٌ عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال،

وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ! فو الله! ما تنقلبون به خير

ممَّا ينقلبون به. قالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا. فقال لهم: إنكم سترون

أثرة شديدة؛ فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ على الحوض»

[٥] .

إن ذلك كله يؤكد أن الوعظ ليس خاصاً بالعامة فحسب، بل إن العلماء

والمفكرين وطلبة العلم أحوج ما يكونون للموعظة؛ فهي تهذيب للنفس، وترويض

لكبريائها وشططها، تدفع المرء للتجرد في البحث عن الحق، والصدق في التماس

الدليل الصحيح، وفي الترجيح بين الأقوال، فلا يتيه به الهوى في دركات

التعصب والاعتداد بالنفس وبطر الحق، خاصة في زمن الفتن وانتشار الأهواء

والشبهات، ولهذا كان العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى وقنوتاً إليه. قال تعالى:

[إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء] (فاطر: ٢٨) . وقال تعالى: [أَمَّنْ هُوَ

قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ

يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) .

كما أن في الموعظة استثارة للغيرة في قلب الداعية، تدفعه إلى علو الهمّة،

وصدق العزيمة، وتطرد عنه غبار الفتور والعجز، وتستنهضه لبذل قصارى الجهد

في تبليغ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيها تثبيت لأهل العلم

والدعوة أمام مكايد الأعداء، وأحابيل المفسدين، وظلم الملأ المستكبرين. وفيها

إحياء للقلب المُعرض الذي أَسَرَه الهوى، وسيطر عليه التقليد والتبعية، فجعله يُدْبر

عن ذكر الله تعالى. قال ﷾: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله

مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّة] (سبأ: ٤٦) .

إنَّ مواعظ القرآن والسنة قوارع تهز القلب وتحييه، وتزيل الران عنه،

وتجعل العبد المؤمن يتوجه بكليته إلى ربه ﷾ تائباً منيباً إليه.

نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من التوّابين المنيبين.. وصلى الله على محمد

وآله وسلم.

Rujukan halaman ini: مجلة البيان، ج 194، ص 4 (SanadKitab #1541, hlm. urut 4752)

Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.