Lewati ke konten

Kitab: مجلة البيان · Pengarang: مجموعة من المؤلفين

Baca Juz 206, halaman 6

  1. ٢٠٦ - شوال - ١٤٢٥ هـ
  2. تربية السلف لأطفالهم

تربية السلف لأطفالهم

عبد العزيز الدغيثر

إن من أعظم النعم أن يُرزق الإنسان ذرية تسعده وتبره في حياته، وتحمل اسمه من بعده بعد مماته، وفي هذه العصور يشتكي كثير من الناس من وجود عناصر خارجية مؤثرة في تربية الصغار كالإعلام والمدارس وغيرها. وفي هذا البحث محاولة لمعرفة بعض الطرق التربوية المستخرجة من التراث الإسلامي والتي أسأل الله ـ تعالى ـ أن ينفع بها كاتبها وقارئها.

- تعويد الصغار على الالتزام بالشعائر التعبدية:

أولاً: تعويدهم على الصلاة:

يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] ، قال علي ﵁: «علموهم وأدبوهم» وعن الحسن البصري مثله (١) ، وقال ـ تعالى ـ مادحاً نبيه إسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ، قال ابن مسعود ﵁: «حافظوا على أبنائكم في الصلاة، ثم تعوَّدوا الخير؛ فإن الخير بالعادة» (٢) ، و «كان عروة يأمر بنيه بالصيام إذا أطاقوه وبالصلاة إذا عقلوا» (٣) ، ولا مانع من إعطائهم الهدايا التشجيعية على أداء الصلاة؛ فقد روت عائشة ﵂ أنهم كانوا يأخذون الصبيان من الكُتَّاب ليقوموا بهم في رمضان، ويرغبوهم في ذلك عن طريق الأطعمة الشهية (٤) ، وكان بعض السلف يعطون الأطفال الهدايا التشجيعية على أداء الصلاة (٥) .

ثانياً: تعويدهم على الصيام:

روى البخاري ومسلم عن الربيِّع بنت معوذ قالت: «أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار» (٦) . وجيء بسكران في رمضان إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له موبخاً وزاجراً: «في رمضان ويلك وصبياننا صيام؟!» فضربه (٧) .

- القدوة وأثرها في تعبد الصغار:

وذكر ابن الجوزي عن نفسه أنه كان يتأثر ببكاء بعض شيوخه أكثر من تأثره بعلمهم (١) ، وكان عبد الله التستري يردد في طفولته قبل أن ينام: الله شاهدي، الله ناظري، الله معي (٢) ، ولا شك أنه لشيء رآه من والديه أو أحدهما في هذا الأمر.

وقال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بك؛ فالحسن عندهم ما صنعتَ، والقبيح عندهم ما تركتَ، وعلِّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الشعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تُخرجهم من علم إلى غيره حتى يُحكِموه؛ فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم ... » (٣) .

ويحذر ابن مسكويه من ترك التربية للخدم خوفاً عليهم من أن يتأثروا بأخلاقهم وأفعالهم (٤) .

- الحرص على تعليمهم الخير:

وهذا من تمام القيام بالأمانة التي وليها الوالدان. جاء في الأثر: «ما نحل والد ولداً من نِحَل أفضل من أدب حسن» . وجاء الأمر النبوي بتعليم الصغار بعض الآيات لأهميتها؛ فقد قال ﷺ: «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم؛ فإنها صلاة وقرآن ودعاء» (٥) . وروى ابن أبي شيبة أن النبي ﷺ كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب إذا أفصح قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] ، سبع مرات. وكان علي بن الحسين يعلمهم: «قل آمنت بالله وكفرت بالطاغوت» ، وكان بعض السلف يعلم الصبيان قول: لا إله إلا الله» (٦) .

كما أن السلف كانوا يقدمون الغالي والرخيص ليرغبوا الأطفال في العلم؛ فقد روى النضر بن شميل قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال لي أبي: يا بنيَّ! اطلب الحديث؛ فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم. فطلبت الحديث على هذا (٧) .

ولما كان الاختلاط بالأعاجم مظنة لفساد اللسان العربي، حرص السلف على تقويم ألسنة الصغار من اللحن؛ فقد جاء عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يضرب بنيه على اللحن» (٨) .

ولم يكن السلف غافلين عن العلوم الأخرى المفيدة كالأنساب والشعر؛ فقد أرسل معاوية ﵁ إلى دغفل فسأله عن العربية وعن أنساب العرب، وسأله عن النجوم فإذا رجل عالم. قال: «يا دغفل! من أين حفظت هذا؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول وإنَّ آفة العلم النسيان. قال: انطلق بين يديَّ ـ يعني ابنه يزيد ـ فعلمه العربية وأنساب قريش والنجوم وأنساب الناس» (٩) .

ولما دفع عبد الملك وُلْده إلى الشعبي يؤدبهم قال: علمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، وحسِّن شعورهم تشتد رقابهم، وجالس بهم عِلية الرجال يناقضوهم الكلام (١٠) .

ولأن السلف أمة مجاهدة، كانوا يربون أبناءهم على حب هذه الشعيرة والتدرب عليها ليكونوا على استعداد تام عند الحاجة إليهم؛ فقد أوصى عمر بن عبد العزيز مؤدب ولده سهلاً قائلاً: «وليفتح كل غلام فيهم بجزء من القرآن يثبت في قراءته؛ فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافياً فرمى سبعة ارشقة ثم انصرف إلى القائلة» (١١) .

قال ابن القيم ﵀: «إذا رأى الصبي وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح وأنه لا نفاذ له من العلم ولم يخلق له، ومكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها فإنه أنفع له وللمسلمين» (١٢) .

ومن الأساليب التي يحببون بها العلم إلى الصغار الاحتفال بهم. قال أبو خبيب الكرابيسي: كان معنا ابن لأيوب السختياني في الكُتَّاب، فحذق الصبي، فأتينا منزلهم فوُضِعَ له منبر فخطب عليه ونهبوا علينا الجوز وأيوب قائم على الباب يقول لنا: ادخلوا، وهو خاص لنا (١٣) ، وقال يونس: حذق ابن لعبد الله بن الحسن فقال عبد الله: إن فلاناً قد حذق، فقال الحسن ﵁: كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزوراً وصنعوا طعاماً للناس (١٤) .

ومن ذلك أن الصبي إذا كان ذا موهبة خطابية فإن الأوْلى بمعلمه أن ينمي هذه الموهبة، وقد كان ابن الجوزي الواعظ من ثمار الشيخ أبي القاسم البلخي؛ فإنه علمه كلمات ثم أصعده المنبر فقالها وكان عمره ثلاث عشرة سنة، قال ابن الجوزي: وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفاً. وهو أول مجالسه ﵀ (١٥) .

ومن الأمور التي ينبغي أن يُعلَّمها الصبي: الجرأة على طرح أفكاره، ويكون هذا بمجالسة العقلاء الكبار ليكبر عقله وينضج تفكيره؛ فمن الخطأ أن يمنع الصغير من حضور مجالس أهل الخبرة والتجربة، وقد مر عمرو بن العاص ﵁ على حلقة من قريش فقال: «ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة؟ لا تفعلوا! أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم» (١٦) ، بل كان ابن شهاب الزهري ﵀ يشجع الصغار ويقول: «لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم» (١) .

وتعليم الصبي الاعتماد على النفس بتعلم صنعة أو تجارة أمر مهم من أهم واجبات الولي؛ فقد روى أبو داود أن النبي ﷺ رأى غلاماً لا يحسن سلخ الشاة، فقال له: تنحَّ حتى أريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى (٢) .

- الحفاظ على صحتهم:

من ذلك أنه حرص ﷺ على ألا يتعرض ابناه (الحسن والحسين) للشمس؛ فقد روى الحاكم من حديث فاطمة ﵂ «أن رسول الله ﷺ أتاها يوماً فقال: أين ابناي؟ فقالت: ذهب بهما علي. فتوجه رسول الله ﷺ فوجدهما يلعبان في مشربة وبين أيديهما فضل من تمر. فقال: أيا علي ألا تقلب ابنيَّ قبل الحر؟ (٣) .

ومن ذلك تنظيف جروح الصغار حتى لا يحصل تلوث بالجرح؛ فعن عائشة ﵂ قالت: «عثر أسامة بعتبة الباب فشج في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: أميطي عنه الأذى، فتقذرته، فجعل رسول الله ﷺ يمصه ويمجه، ثم قال: لو كان أسامة جارية لحلَّيناه وكسوناه حتى ننفقه (٤) ، وعنها أيضاً أن أسامة كان بين يدي رسول الله ﷺ فذهب يمسح مخاطه، فقالت عائشة ﵂: دعني يا رسول الله دعني! أنا إليه، فقال رسول الله ﷺ: يا عائشة! أحبيه؛ فإني أحبه» (٥) .

كما أن للوقف دوره في هذا الجانب؛ فقد أيقن المجاهد صلاح الدين أن التغذية السليمة للطفل تجعله قوياً سليم الجسم، والأطفال رجال المستقبل؛ فلبُعد نظره أوقف صلاح الدين وقفاً لإمداد الأمهات بالحليب اللازم لأطفالهن، وقد جعل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً يسيل منه الماء المذاب بالسكر، فتأتي الأمهات يومين في كل أسبوع فيأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر (٦) .

وليعلم أن الصغار كثيراً ما يتعرضون لأذى الشياطين لعدم تعويذهم للهدي النبوي الواقي للصغير من الشيطان والجان؛ فمما يشرع للصغير أن يعوَّذ من الشيطان؛ فقد قالت امرأة عمران: ﴿وَإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] .

وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يُعوِّذ الحسن والحسين وقال: «كان أبوكم إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة» (٧) .

ويمنع الصبي من الخروج وقت انتشار الشياطين حتى لا يؤذوه؛ فقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «اكفتوا صبيانكم عند العشاء؛ فإن للجن انتشاراً وخطفة» (٨) ، وفي حديث جابر مرفوعاً: «إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ؛ فإذا ذهب ساعة من الليل فحُلُّوهم ... » (٩) ، وجنح الليل هو إقباله بعد غروب الشمس.

- التربية بالحب:

ولهذا النوع من التربية مظاهر منها:

- التقبيل للصغير واحتضانه وشمه:

ومن أعظم مظاهر الحب التقبيل للصغار وضمهم، وهذا من الرحمة التي يؤجر العبد عليها، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قبَّل الحسن وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه النبي ﷺ ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم» (١٠) .

وروى مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، قال أنس: ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين، فانطلق ـ يعني رسول الله ﷺ ـ يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف أمسك! جاء رسول الله ﷺ، فأمسك، فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول (١١) .

وقال بريدة: كان رسول الله ﷺ يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه وقال: صدق الله: ﴿إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما (١٢) .

- ومن ذلك الدعاء للصغير:

وهذا هو هدي الأنبياء والصالحين؛ فعباد الرحمن يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] ، وزكريا يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ، وإبراهيم يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ، ويدعو لهم بصلاح العقيدة: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ، ويدعو لهم بأن يكونوا مقيمين للصلاة: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] .

عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ وخرجت معه حتى أتينا سوق بني قينقاع، ثم انصرف فأتى بيت عائشة ثم قال: أثَمَّ لُكَع ـ يعني حسيناً ـ وظننت أن أمه حبسته تغسله أو تلبسه سِخاباً، فلم يلبث أن جاء يشتد فعانق كل واحد منهما صاحبه، ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه (١) ، قال ابن مفلح: لُكَع هنا: الصغير، والسخاب بكسر السين: جمعه سخب، القلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب يُعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان والجواري، وقيل: خيط يسمى سِخاباً لصوت خرزه عند حركته من السَّخب ويقال: الصَّخب وهو اختلاط الاصوات. وفيه جواز لباس الصبيان القلائد والسخب من الزينة (٢) .

وعن ابن عباس ﵄ قال: «ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللهم علمه الكتاب» وفي رواية: «اللهم علمه الحكمة» وفي أخرى: «اللهم فقهه في الدين» (٣) .

وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: إن كان رسول الله ﷺ ليأخذني ويُقعدني على فخذه ويُقعد الحسن على الأخرى، ثم يضمنا، ثم يقول: اللهم ارحمهما؛ فإني أرحمهما (٤) ، وفي رواية: «اللهم إني أحبهما فأحبهما» (٥) .

أما الدعاء عليهم فقد ورد النهي عنه في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» (٦) .

- ومن ذلك ممازحتهم وتفريحهم:

فقد كان ﷺ يمازح الصغار؛ فقد قال لأحدهم: «يا ذا الأذنين» (٧) ، ومجَّ ﷺ الماء في وجه محمود بن الربيع وهو ابن خمس سنين (٨) ، وقال لأحدهم: «يا أبا عمير ما فعل النغير» (٩) .

وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى الثمر أُتي به فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي مُدِّنا وفي صاعنا بركة مع بركة» ثم يعطيه أصغر من بحضرته من الولدان (١٠) .

ومن ذلك إردافهم على الدابة؛ فقد قال عبد الله بن جعفر ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بالصبيان من أهل بيته. قال: وإنه قدم مرة من سفره فسيق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة إما حسن وإما حسين فأردفه خلفه. قال: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» (١١) ، وقال ابن عباس ﵄: لما قدم رسول الله ﷺ مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحداً بين يديه وآخر خلفه (١٢) .

ومر ابن عمر ﵄ في طريق فرأى صبياناً يلعبون فأعطاهم درهمين (١٣) .

وعن سعيد بن عمرو ـ في قصة قدوم خالد بن سعيد وعمرو ابن سعيد من الحبشة ـ وفي آخره قال: ومع خالد ابنة عليها قميص أصفر، فقال لها: اذهبي فسلمي على رسول الله ﷺ. قال: فانكبت على رسول الله ﷺ، فجعلت تريه قميصها، فقال لها رسول الله ﷺ: سنه سنه ـ قال: حسن بلغة الحبشة ـ أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي (١٤) .

- السماح لهم باللعب فهو ربيع الصغار:

عن أبي هريرة ﵁: «أنه صلى مع رسول الله ﷺ العشاء فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره؛ فلما جلس وضع واحداً على فخذه والآخر على فخذه الأخرى ... » (١٥) ، وفي حديث شداد بن الهاد ﵁ أنه رأى الحسن أو الحسين على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فأطال السجود؛ فلما قضيت الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: «فكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (١٦) ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يصلي والحسن والحسين يثبان على ظهره فيأخذهما الناس فقال: دعوهما بأبي هما وأمي، من أحبني فليحب هذين» (١٧) .

وعن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: كان ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله ـ من بني العباس ـ ثم يقول: من سبق إلى كذا فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبِّلهم (١٨) .

وورد عنه ﷺ أنه كان من أفكه الناس مع صبي (١٩) .

ونقل ابن مفلح عن ابن عقيل أنه قال: «والعاقل إن خلا بأطفاله خرج بصورة طفل، ويهجر الجد في ذلك الوقت» (٢٠) .

وقد عزل عمر والياً؛ لأنه لا يلاعب أطفاله (٢١) .

وعنما تزوج النبي ﷺ عائشة ﵂ كانت صغيرة؛ ولذلك كان ﷺ يعطيها حقها من اللهو؛ فقد أذن لها برؤية الحبشة وهو يلعبون بالحراب في المسجد (٢٢) ، وسابقها مرة فسبقته، ثم سابقها بعد أن حملت اللحم فسبقها، فقال ﷺ: «هذه بتلك» (١) .

وعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ يحمل الحسن بن علي ويقول:

بأبي شبيه بالنبي

ليس شبيهاً بعلي

وعلي معه يتبسم (٢) ، قال الحافظ في الفتح: وكان عمر الحسن إذ ذاك سبع سنين (٣) .

وعن عكرمة قال: ختن ابن عباس بنيه، فأرسلني فجئته بلعَّابين فلعبوا وأعطاهم أربعة دراهم (٤) .

وعن الحسن أنه دخل منزله وصبيان يلعبون فوق البيت ومعه عبد الله ابنه فنهاهم فقال الحسن: دعهم فإن اللعب ربيعهم (٥) .

وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يرخصون للصبيان في اللعب كله إلا بالكلاب (٦) .

وقد ذكر البيهقي باباً في ما ورد من لعب الصبيان بالتراب (٧) .

وورد عن عائشة ﵂ أنها كانت تلعب بالأرجوحة مع صاحباتها قبل دخول النبي ﷺ بها (٨) .

وفي حديث الجاريتين أنهما كانتا تغنيان وتضربان بالدف عند عائشة ﵂ في العيد من أيام منى (٩) .

كما ورد عنها ﵂ أنه كان لها فرس له جناحان (١٠) ، وفي الصحيحين عنها ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ إذا دخل ينقمعن منه فيُسَرِّبُهن إليَّ فيلعبن معي» (١١) ، قال النووي: قال القاضي: فيه جواز اللعب بهن وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن ... ثم قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن. وقال ابن حجر نحو هذا الكلام وأضاف: جزم القاضي عياض بتخصيص لعب البنات من عموم النهي ونقله عن الجمهور (١٢) .

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «إن كانت لعب الأطفال المجسمة كخلق الإنسان فاجتنابها أوْلى، ولكن لا أقطع بالتحريم؛ لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور؛ فإن الصغير مجبول على اللعب والتسلي وليس مكلفاً بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهواً وعبثاً..» (١٣) .

ويجوز لعب الأطفال ببعض الحيوانات والطيور إذا لم يكن فيه أذى لهم؛ ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأخ لأنس: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (١٤) ، وقد ذكر العلماء في فوائده: جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح له اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ما دام يطعمه ويسقيه. وأشار بعض أهل العلم إلى جواز قص جناح الطير حتى لا يطير (١٥) .

- التوسعة عليهم عند اليسار:

وهذا داخل في عمومات النصوص التي منها: «خيركم خيركم لأهله» وحديث: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» ، ومن أوْلى ما يدخل في ذلك التوسعة على الأولاد باللبس الحسن والطعام الحسن بل وتطييبهم بأنفس الطيب. قالت أم أبي محمد التمار: ربما حملنا أولاد أيوب فعبق لنا من ريحهم ريح المسك أو الطيب (١٦) .

- حقوق الصغار:

من ذلك تشميت الصغير إذا عطس، قال ابن مفلح ﵀: روى عبد الله بن أحمد: عن الحسن أنه سئل عن الصبي الصغير يعطس؟ قال: يقال له: بورك فيك. وقال صاحب النظم: إن عطس صبي عُلِّم الحمد لله، ثم قيل له: يرحمك الله، أو بورك فيك ونحوه، ويعلم الرد. وإن كان طفلاً حمد الله وليه أو من حضره، وقيل له نحو ذلك. ومال ابن مفلح إلى أنه لا يقال عنه: الحمد لله؛ لأنه غير مكلف، ولأن العبادة البدنية المحضة لا تُفعل عن الحي، كما أنه لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه استحباب ذلك مع توافر الهمم على نقله (١٧) .

ومن حق الصغير أن يُسَلَّم عليه؛ فعن أنس ﵁ قال: «كنت مع النبي ﷺ فمر على صبيان فسلم عليهم» (١٨) .

ومن ذلك أن يُستأذن عليه عند الدخول؛ فقد قال جابر ﵁: «يستأذن الرجل على ولده وأمه وإن كانت عجوزاً، وأخيه وأخته وأبيه» (١٩) .

ولا يقدَّم عليهم في حقهم إلا بإذنهم؛ فعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله! لا أؤثر بنصيبي منك أحداً، فتلَّه رسول الله ﷺ في يده» (٢٠) .

ومن ذلك أنه لا يجوز أن يُكذَب عليهم؛ فعن عبد الله بن عامر ﵁ قال: «أتانا رسول الله ﷺ في بيتنا وأنا صبي، قال: فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله! تعالَ أُعطك، فقال رسول الله ﷺ: وما أردتِ أن تعطيه؟ قالت: تمراً، فقال: أما إنك لو لم تفعلي كُتِبَتْ عليك كذبة» (٢١) ، وصح عنه ﷺ أنه قال: «إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا أن يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له» (٢٢) .

- أخذ العلم عن الصغار إن كانوا أهلاً لذلك:

قال ابن عيينة: الغلام أستاذ إذا كان ثقة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إن العلم ليس عن حداثة السن ولا قدمه، ولكن الله يضعه حيث يشاء. وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أُقرِئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف (١) ، قال ابن الجوزي في كشف المشكل: فيه تنبيه على أخذ العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلَّت أقدارهم. وقد كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي؟ فقال: إنما أهلكنا التكبرُ (٢) .

قال ابن مفلح ﵀: والأوْلى أن لا يحدِّث حتى يتم له أربعون سنة إلا أن يُحتاج إليه؛ فقد حدَّث بُندار وله ثلاث عشرة سنة، وحدث البخاري وما في وجهه شعرة. وقد قال سمرة بن جندب: «لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً فكنت أحفظ عنه؛ فما يمنعني من القول إلا أنَّ هاهنا رجالاً هم أسن مني» . متفق عليه (٣) .

- تقويم سلوك الصغار:

قد يظن ظان أن أسرع طريقة للتقويم الضرب وهو مخالف للهدي النبوي؛ كما أن الدراسات الحديثة أثبتت أن استخدام الوسائل الأخرى أكثر تقويماً للسلوك. ولنتأمل في هذه القصة التي رواها أحمد أن رسول الله ﷺ خرج إلى طعام كان قد دُعي إليه مع بعض أصحابه، فاستقبل رسول الله ﷺ أمام القوم وحسين مع غلمان يلعب، فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذه، فطفق الصبي ها هنا مرة، وها هنا مرة، فجعل النبي ﷺ يضاحكه حتى أخذه (٤) ، فهذه وسيلة سهلة توصل إلى المقصود.

ومن الأساليب أيضاً العتاب الرقيق؛ فقد قال أنس بن مالك ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب ـ وفي نفسي أن أذهب لما أمرني نبي الله ﷺ ـ قال: فخرجت حتى أمرَّ على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم! أنا أذهب يا رسول الله (٥) .

ولا يشك مؤمن ما للدعاء من أهمية في صلاح الصغار، وهو ما كان يوصي به المصلحون أولياء الصغار؛ فقد شكا أحدهم ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال: استعن عليه بهذه الآية: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] » (٦) .

والضرب وسيلة تقويم وقبلها وسائل، وقد ورد الأمر بتعليق العصا في البيت (٧) .

وعن عائشة ﵂ قالت في أدب اليتيم: إني لأضرب اليتيم حتى ينبسط (٨) ، أي يعتدل. وقال الإمام أحمد: اليتيم يؤدب ويضرب ضرباً خفيفاً (٩) .

وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يكتب للأمصار: لا يقرن المعلم فوق ثلاث؛ فإنها مخافة للغلام (١٠) ، ـ يعني لا يجمع ثلاث ضربات. وسئل الإمام أحمد عن ضرب المعلم الصبيان، فقال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى بجهده الضرب، وإن كان صغيراً لا يعقل فلا يضربه (١١) .

وليعلم أن الأمور لا تؤتى غلاباً كما قال الشاعر، وإنما التدرج مطلوب في التقويم؛ فقد نقل الحافظ عن سعيد بن جبير الحث على التدرج في أخذ الطفل بالجد (١٢) ، وهذا يتمشى مع الحكمة التي جاءت بها الشريعة، وطبيعة النفس الإنسانية التي تستثقل أخذها بالعزيمة بلا تدرج.

- الإنكار عليهم:

جاءت النصوص بالأمر بالإنكار على الصغار إن ارتكبوا محرماً؛ فعن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت في حِجْر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: «يا غلام! سمِّ الله وكُلْ بيمينك وكل مما يليك» (١٣) .

وقال سنان بن سلمة: كنت في غلمة بالمدينة نلتقط البلح، فأبصرنا عمر وسعى الغلمان وقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين! إنما هو ما ألقت الريح. قال: أرني أنظر. فلما أريته قال: انطلق. قال: قلت: يا أمير المؤمنين! ولِّ هؤلاء الغلمان! إنك لو تواريت انتزعوا ما معي. قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني (١٤) .

ودخل أبو هريرة ﵁ مرة المسجد يوم الجمعة، فوجد غلاماً، فقال له: يا غلام! اذهب العب! قال: إنما جئت إلى المسجد. قال له: يا غلام! اذهب العب! قال: إنما جئت إلى المسجد. قال: فتقعد حتى يخرج الإمام؟ قال: نعم (١٥) ! وكأنه خشي أن يلعب في المسجد في أول الأمر فلما تأكد من أنه جاء لقصد العبادة تركه.

روى سعيد بن جبير أنه كان مع عبد الله بن عمر ﵄ في الطريق؛ فإذا صبيان يرمون دجاجة، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ فتفرقوا، فقال: إن رسول الله ﷺ لعن من مثَّل بالحيوان (١٦) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن ما حرم الله على الرجل فعله حرم عليه أن يُمكِن منه الصغير، وقد رأى عمر بن الخطاب ﵁ ثوباً من حرير على صبي للزبير فمزقه، وقال: لا تُلبِسوهم الحرير» (١٧) ، ومزق ابن مسعود ﵁ قميصاً من حرير على أحد أولاده، وقال: قل لأمك تكسوك غير هذا (١٨) .

وقال الموفق في المغني: ويتجنب الثياب التي عليها تصاوير أو صلبان (١٩) .

- اختيار أصحابهم:

قال علي بن جعفر: مضى أبي إلى أبي عبد الله ـ يعني الإمام أحمد ـ وذهب بي معه، فقال له: يا أبا عبد الله! هذا ابني. فدعا لي، وقال لأبي: ألزمه السوق، وجنبه أقرانه (٢٠) .

Rujukan halaman ini: مجلة البيان، ج 206، ص 6 (SanadKitab #1541, hlm. urut 5110)

Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.