قال الآمدي في "الإحكام": (ولهذا فإنهم - يعني العرب - إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقًا للآخر قالوا: "هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس" وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم: "هذا الفرس سابق لهذا الفرس"، وكذلك إذا قالوا: "فلان يأسف لشم رائحة مطبخه" فإنه أفصح عندهم وأبلغ من قولهم: "فلان لا يُطعم ولا يسقي") (¬١).
وحسبنا أن نقرر أنه لو قال والد لولده: لا تعط زيدًا حبة، ولا تقل له أُف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، فإن الذي يتبادر إلى الفهم عند كل عارف باللغة امتناع إعطاء ما فوق الحبة وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره.
ولو حلف إنسان لا يأكل لفلان لقمة ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبًا لامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف، وشرب ما زاد على الجرعة. . . ونظائر ذلك كثيرة (¬٢).
وأصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وهم أهل اللسان والفاهمون في ظل البيان فهموا - كما يقول الآمدي - من قول النبي ﷺ في شأن اللقطة: "إعرف وكاءها وعِفاصها" (¬٣) حفظ ما التقط من الدنانير