هذا وقد رتب أبو سليمان الخطابي الأقوال الثلاثة على الشكل الذي أوردناه.
والذي نختاره هو القول الأول؛ لما يلاحظ من أن الرسول ﵊ جعل ما يفعله الإنسان من القبيح: إنما يكون نتيجة لفقدان الحياء.
ولقد جئنا بهذا القدر من الأمثلة نموذجًا لما تزخر به بطون الكتب في هذه الشريعة؛ فأكثر الأحكام - كما ذكرنا غير مرة - قائم على الطلب في أمره ونهيه، ولقد أدى علماؤنا الأمانة حين لم يألوا جهدًا في بذل المستطاع عند تفسير النصوص: ببيان مدلولات الأمر، كاشفين أثر ذلك في الأحكام، تجد ذلك في كتب الأصول والفروع وتفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنة. وقد بلغ من عنايتهم في ذلك: أن عالمًا من علماء الحديث كالبيهقي (¬١) ﵀ أفرد في "السنن الكبرى" بابًا خاصًّا، للأمر متى يكون الوجوب ومتى يكون للندب والإرشاد ومثل ذلك كثير.
* * *
المطلب الرابع ما يدل عليه الأمر المطلق في الوحدة والكثرة
يرى المتتبع لمباحث العلماء في تفسير النصوص أن مسألة هامة قد عرضت لهم في مدلول الأمر: وذلك من ناحية ما يقتضيه من الوحدة أو الكثرة. ولقد كان ذلك ميدان اختلاف في وجهات النظر، حتى تعددت المذاهب وعُنيَ كل فريق بالاستدلال على ما أراد.