وأجيب (١): بأن هذا في المنافقين، بدليل بقيةِ الحديث: "والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدُهم أنه يجدُ عَرْقاً سميناً (٢)، أو مَرْماتين حسنتينِ، لشهدَ العشاءَ"، وهذه ليست صفة المؤمنين، لا سيما أكابرهم، وهم الصحابة، وإذا كانت في المنافقين، فالتحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة.
قال القاضي عياض: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين، وأما المنافقون (٣)، فقد كان النبي ﷺ مُعْرِضاً عنهم، عالماً بطَوِيَّاتهم، كما أنه لم يتعرَّضْ لهم في التخلُّف، ولا عاتَبَهم عليه معاتبةَ كعبٍ وأصحابِه من المؤمنين (٤).
واعترضه ابنُ دقيق العيد: بأن هذا إنما يلزمُ إذا كان تركُ معاقبةِ المؤمنين واجباً على النبي ﷺ، فحينئذ يمتنعُ أن يعاقبهم بهذا التحريق، فيجب أن يكون الكلامُ في المؤمنين.
وإما أن يقال: إن عقابَ المنافقين وتركَه كان مباحاً له ﵇، مُخَيَّراً فيه، فحينئذ لا يتعينُ حملُ هذا على المؤمنين؛ إذ يجوزُ أن يكون في المنافقين؛ لجوازِ معاقبته لهم، وليس في إعراضه ﵇ عنهم بمجرده ما يدلُّ على وجوبِ ذلك عليه، ولعل قولَه ﵇ عندما طُلب منه قتلُ بعضهم: "لا يُتَحَدَّثْ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهَ" (٥) يُشعر بما