الشاهد الرابع والسبعون بعد الثمانمائة (¬١)، (¬٢)
وَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ فَاكْذِبَنْهَا … فَإِنْ جَزْعًا وَإنْ إِجْمَال صَبْرِ
أقول: قائله هو دريد بن الصمة، أنشده سيبويه في كتابه (¬٣)، وهو من الوافر.
قوله: "كذبتك" بالتخفيف، قوله: "إجمال صبر": من أجمل يجمل إجمالًا إذا أحسن.
الإعراب:
قوله: "وقد" الواو للعطف إن تقدمه شيء، و "قد" للتحقيق، و "كذبتك": جملة من الفعل والمفعول، [و"نفسك: كلام إضافي فاعله، قوله: "فاكذبنها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول] (¬٤).
قوله: "فإن" في الموضعين ليست إن الشرطية؛ بل هي بمعنى: إما، والتقدير: فإما جزعًا وإما إجمال صبر، و "جزعًا" منصوب بفعل مضمر تقديره: فإما تجزع جزعًا، وكذلك التقدير في قوله: "إجمال" أي: وإما تجمل إجمال صبر.
وقال سيبويه: دخول الفاء منع أن تكون: "إن" جزاء؛ لأن الفاء إنما تكون للاستئناف، وتكون جوابًا لما قبلها فكيف يصير ما قبلها جوابًا لها على هذا (¬٥)؟
وهذا الحكم إنما هو في الفاء وحدها، ولو كان بدل الفاء هاهنا واو لصلح أن يكون الجواب في: "وقد كذبتك نفسك"، وقد يجوز أن تجعل شرطًا وتحذف الجواب كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] فحذف الجواب، أي: فعلت، وكذلك البيت، أي: فإن تجزع جزعًا فعلت فحذف الجواب [وحذف الجواب] (¬٦) قليل جدًّا، وحذف ما من إما قليل جدًّا] (¬٧)، فعدل سيبويه عن حذف الجواب إلى حذف "ما" من "إما" لأنه أمثل قليلًا.