قوله: "فاذهب": جواب شرط محذوف، والتقدير: فإن فعلت ذلك فاذهب؛ فإن ذلك ليس بعجب من مثلك ومن مثل هذه الأيام، وكلمة: "من" في: "من عجب" زائدة، وهي الدالة على توكيد العموم (¬١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والأيام" فإنه عطف على الضمير المجرور، أعني قوله: "بك" من غير إعادة الجار، وهذا جائز عند الكوفيين ووافقهم على ذلك يونس والأخفش وقطرب وأبو علي الشلويين وابن مالك ﵏ (¬٢)، واحتجوا على ذلك بالبيت المذكور، وبأمثاله (¬٣).
والجواب عن ذلك: أن كل ما روي من ذلك في السماع محمول على شذوذ إضمار الجار، وفيه نظر لا يخفى (¬٤).
الشاهد الخامس والثمانون بعد الثمانمائة (¬٥)، (¬٦)
نُعَلِّقُ في مِثْلِ السَّوَارِي سيُوفَنا … وَمَا بَينَهَا وَالكعْبِ غوطٌ نَفَانِفُ
أقول: أنشده الفراء ولم يعزه إلى أحد، [وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: هو لمسكين
(¬١) ينظر الكتاب (٢/ ٣٨٢)، والمغني (٣٢٢)، وقد ذكر الدكتور سيد تقي الدين أنه لجرير من قصيدة له يهجو بها الأخطل، وقد فتشنا عنه في ديوان جرير فلم نجده، مع كتاب المقاصد النحوية (١١٣).
(¬٢) الجملة الدعائية سقط في (ب).
(¬٣) يقول المرادي: "في العطف على الضمير المجرور ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب جمهور البصريين أنه لا يجوز إلا بإعادة الجار إلا في الضرورة. والثاني: مذهب الكوفيين ويونس والأخفش أنه يجوز في الكلام واختاره المصنف والشلوبين. الثالث: أنه إن أكد الضمير جاز في الكلام وإلا فلا نحو: مررت بك أنت وزيد، وهو مذهب الجرمي والزيادي، وشبيه به ما أجازه الفراء من قولك: مررت به نفسه وزيد. والصحيح ما اختاره المصنف (ابن مالك) للقياس والسماع. أما القياس: فكما يجوز أن تبدل منه ويؤكد بغير إعادة الجار كذلك يعطف عليه. وأما السماع؛ فمن النثر قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] و ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [ … النساء: ١] وتأويلهما على غير ذلك مرجوح؛ بل يتعين اطراحه لأنه عدول عن الظاهر، وقالت العرب: ما فيها غيره وفرسِه، ومن النظم ما أنشده سيبويه: (البيت) أي: وفي أبيات كثيرة لا نطول بإنشادها يرشد كثرتها إلى أن ذلك ليس من الضرورات". شرح التسهيل للمرادي (٣/ ٧٢٢ - ٧٢٥).
(¬٤) ينظر الكتاب (٢/ ٣٨٢)، والإنصاف (٢٦٤)، وابن يعيش (٣/ ٧٨، ٧٩)، وارتشاف الضرب (٢/ ٦٥٨)، وابن الناظم (٥٤٥، ٥٤٦)، ومعاني القرآن للأخفش (١/ ٢٢٤)، وشرح الكافية الشافية لابن مالك (٣/ ١٢٤٦ - ١٢٥٤).
(¬٥) ابن الناظم (٢١٢).
(¬٦) البيت من بحر الطويل، من قصيدة تبلغ عشرة أبيات لمسكين الدارمي، وهي في الفخر بالشجاعة والكرم، انظر =