اللَّياليَ ذَواتِ العَددِ قبلَ أنْ يَنزِعَ إلى أَهْلِهِ ويتزوَّدَ لذلكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ فيتَزوِّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وهوَ في غَارِ حِراءٍ، فجَاءَهُ المَلَكُ فَقَال: "اقْرَأْ"، قَالَ: "ما أَنَا بقارِئٍ"، قَالَ: "فأخذَنِي فغَطَّنِي حتَّى بَلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَني، فَقَال: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّني الثانيةَ حتَّى بلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأْ، قُلْتُ: ما أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ "، فرجَعَ بها رَسُولُ الله ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدخَلَ على خَديْجَةَ فَقَال: "زَمِّلونِي، زَمِّلوني"، فزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخَديجةَ ﵂ وأخْبَرَها الخبَرَ: "لقدْ خَشيتُ على نَفْسِي"، فقالتْ خَديجةُ: كلَاّ والله لا يُخْزِيكَ الله أبدًا، إنّكَ لَتَصِلُ الرَّحمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ، ثُمَّ انطلقَتْ بهِ خَديجةُ إلى وَرَقَةَ بن نَوْفَلِ، ابن عمِّ خَديجَةَ، فقالتْ لهُ: يا ابن عمِّ! اسمَعْ مِن ابن أخِيْكَ، فقالَ لهُ وَرَقَةُ: يا ابن أخي! ماذا تَرَى؟ فأخبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذي أَنْزلَ الله علَى مُوسَى، يا لَيْتَني فيها جَذَعًا، لَيْتَني أكونُ حيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعمْ، لمْ يأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ مَا جِئْتَ بهِ إلَّا عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفِّيَ، وفترَ الوَحْيُ حتَّى حَزِنَ النَّبيُّ ﷺ فيما بلغنَا - حُزنًا غَدَا مِنْهُ مِرارًا كيْ يَترَدَّى منْ رُؤُوْسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فكلَّما أَوْفَى بذِروَةِ جَبَلٍ لِكيْ يُلقِي نفسَهُ منهُ تبَدَّى لهُ جِبريلُ فَقَال: "يَا مُحَمَّدُ! إنَّكَ رَسُولُ الله حَقًا". فيَسكُنُ لذلكَ جأْشُهُ وتقِرُّ نفسُهُ.
قولها: "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقَ الصبح، ثم حبب إليه