ع: ولم يأت أنه ﵊ اعتكفَ إلا وهو صائمٌ، ولأنه عملُ أهلِ المدينة؛ كما ذَكَرَ مالكٌ في "موطئه"، وهو مذهب جمهور العلماء (١).
ومن جهة المعنى: أن الاعتكافَ هو ملازمةُ المسجد بالنية -على ما تقدم-، والنيةُ تقطعُ قلبَه عن الدنيا وعلائِقِها، والمسجدُ يمنع بدنَه عن الاشتغال بأشغالها؛ لأن المساجد بيوتٌ أذنَ اللَّه أن تُرفع وُيذكر فيها اسمه، ليس فيها عملٌ في غيره، فلا يجوز له أن يعمل من الدنيا إلا ضرورة (٢) الآدمية، وهي الطعام والشراب، وما لهما، فيمنع من الأكل نهارًا؛ لأنه أحد الأسباب المنقطعة عن الدنيا، ألا ترى أنه مُنع من الخروج إلا لحاجة الإنسان، أو لتحصيل القوت؟
قال ابن العربي: ومنعَه مالكٌ ﵀ تفطُّنًا لهذه الدقيقة من قراءة العلم؛ لأنه من أسباب الدنيا، وقَصَرَه على الذكر المجرَّد، وقال غيرهُ من العلماء: يقرأ (٣) العلمَ إذا خلصتْ له النيةُ للَّه ﷿. قال: وبه أقول (٤).
وأما النية: فلا خلافَ فيها؛ لكونه عبادة، ومحلُّه المسجد مطلقًا.