﴿بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: أي شيء في صحفهما؛ فقيل: هو أنه؛ أي: الشأن لا تحصل نفس من شأنها الحمل حمل نفس أخرى، من حيث إنه تتعرى منه المحمول عنها، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره؛ ليتخلص الثاني من عقابه، فالمراد بالوازرة: هي التي يتوقع منها الوزر والحمل، لا التي وزرت وحملت ثقلًا، وإلا فكان مقتضى المقام أن يقال: لا تحمل فارغة وزر أخرى. إذ لا تحمل مثقلة بوزرها غير الذي عليها.
وفي هذا (١): إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أنه يحمل عنه الإثم. وقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه، وابنه، وأخيه، وامرأته، وعبده حتى كان إبراهيم ﵇ فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى.
ولا يعارض (٢) هذه الآية قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. إذ ليس المعنى: أنَّ عليه إثم مباشرة سائر القاتلين، بل المعنى: أنَّ عليه فوق إثم مباشرته للقتل المحظور إثم دلالته، وسببيته لقتل هؤلاء، وهما ليستا إلا من أوزاره، فهو لا يحمل إلا وزر نفسه.
وكذا لا يعارضها أيضًا قوله ﷺ: "مَن سنَّ سنةً سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره.
٣٩ - وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ معطوف على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ إلخ. و ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة كأختها السابقة، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿إِلَّا مَا سَعَى﴾ اسمها و ﴿ما﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة.
والمعنى: وأنه - أي: الشأن - ليس للإنسان في الآخرة إلا سعيه في الدنيا من العمل، والنية، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله. فهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره من حيث جلب النفع إثر بيان عدم انتفاعه، من حيث دفع