الأسرار": لما بعث محمد ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل حط رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به ﷺ، وهم المرادون بقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. والصومعة: كل بناء متصومع الرأس؛ أي: متلاصقه. والدير: خان النصارى، وصاحبه ديار.
أي: فآتينا الذين آمنوا منهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى، وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد ﷺ لما بعثه الله تعالى؛ أي: أعطيناهم ما يحسن، ويليق بهم من الأجر، وهو الرضوان الذي طلبوه برهبانيتهم، وبإيمانهم بمحمد ﷺ.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من العيسيين، وهم الذين ابتدعوا فضيعوا، وكفروا بمحمد ﷺ ﴿فَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن حد الاتباع، وهم الذين تهودوا وتنصروا؛ أي: خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به؛ ووجه (١) الذم لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع، أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها، وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينًا، وأما على القول: بأن الاستثناء متصل؛ وأن التقدير: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها، فوجه الذم ظاهر.
والمعنى (٢): أي فما حافظوا على هذه الرهبانية المبتدعة، وما قاموا بما التزموه حق القيام، بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى بن مريم، فضموا إليه التثليث، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا. وفي هذا ذم لهم من وجهين:
١ - أنهم ابتدعوا في دين الله ما لم يأمر به.
٢ - أنهم لم يقوموا بما فرضوه على أنفسهم بما زعموا أنه قربة يقربهم إلى ربهم. وقد كان ذلك كالنذر الذي يجب رعايته، والعهد الذي يجب الوفاء به.
روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: "قال لي رسول الله ﷺ: يا ابن مسعود قلت: لبيك يا رسول الله قال: "اختلف من كان قبلنا على إحدى وسبعين