لأنَّ هَذَا مَوْضِعٌ قَدْ أُمِنَ فيه اللَّبْسُ، أَوْ دَلَّ عَلَيهِ مَعْنَى الكَلام. وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بنِ شُجَاعٍ أَشْبَهُ مَا يُحْمَلُ عَلَيهِ الكَلامُ الحَدِيث (١).
وَفِيهِ عِنْدي وَجْهٌ آخَرُ: أَنْ يَكُوْنَ أَرَادَ بِذلِكَ أَنْ يُعْلِمَنَا أَنَّ اشْتِرَاطَ المُشْتَرِطِ لِمَا لَا يَجُوْزُ لَا يَجْعَلُهُ جَائِزًا، فَكَأَنَّهُ قَال: اتْرُكِيهِم عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ فَإِنَّ ذلكَ لَا يَنْتَفِعوْنَ بِهِ، وَإِلَى نَحْو هَذَا أَشارَ الطَّحَاويُّ في قَوْلهِ المُتَقَدِّمِ، وتَفْسِيرِهِ اشْتَرِطِي: لِتُظْهِرِي يَعْضُدُ (٢) هَذَا التّأويلُ.
- قَوْلُهُ: "لَا يَمْنَعنَّكَ ذلِكَ فَإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" [١٨]. أَي: لَا تَمْتَنِعِي مِنْ شِرَائِهَا مِنْ أَجْلِ شَرْطِهِمْ فَإِنهُمْ لَا يَنْتفعُوْنَ بِه، فَلَمَّا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَرِائِهَا مَعَ ظَاهِرِ شَرْطِهِمْ صَارَ ذلِكَ كَإِبَاحَةِ الشَّرْطِ لَهُمْ، وإِنْ كَانَ لَا إِبَاحَةَ هُنَاكَ. وَقَال أَبُو عُمَرَ النَّحْويُّ (٣) مَعْنَاهُ. اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ فَإِنَ اشْتِرَاطَهُمْ إِيَّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ لَا يَجُوْزُ غَيرُ نَافِعٍ لَهُمْ وَلَا جَائِزٍ، وَهَذَا يَنْحُو نَحْوَ مَا قُلْنَاهُ قَبْلَهُ، لكِنَّ قَوْلَهُ: "بَعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّ ذلِكَ لَا يَجُوْزُ" غَيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ لَوْ عَلِمُوا بِذلِكَ لَمْ يَشْتَرِطُوْهُ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمُوا أَنَّ ذلِكَ يَجُوْزُ لَهُمْ (٤)، وَلَمْ يَتَحَقَّقُوا امْتِنَاعَهُ إلَّا بِخُطْبَتِهِ ﷺ.