قَال: فَقُلْتُ: وَاللهِ! لأُخبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَال: فَأَتَيتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَال. قَال: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ. ثُمَّ قَال: "فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ! " قَال: ثُمَّ قَال: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى. قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ"
ــ
وأما عد هذا الرجل المنافق من الأنصار كما في رواية الأعمش فلكونه من قبائلهم والله أعلم.
(قال) عبد الله: (فقلت) في نفسي: (والله لأخبرن رسول الله قال الله عليه وسلم) بما قال هذا الرجل: (قال) عبد الله: (فأتيته) ﷺ (فأخبرته بما قال) الرجل فيه جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذروا القائل وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتهما موجودة في صنيع ابن مسعود هذا ولم ينكره النبي ﷺ وذلك إن قصد ابن مسعود كان نصح النبي ﷺ وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن مكرهم وكيدهم وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثمًا عظيمًا فلم يكن له حرمة (قال) ابن مسعود: (فتغيَّر وجهه) ﷺ (حتى كان كالصرف) أي كالصبغ الأحمر وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الراء صبغ أحمر يصبغ به الجلود قال ابن دريد: وقد يسمى الدم أيضًا صرفًا (ثم قال) رسول الله ﷺ: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله قال) عبد الله: (ثم قال) رسول الله ﷺ: (يرحم الله موسى) ﵇ (قد أوذي بأكثر من هذا) أي بأشد من هذا الذي أوذيت به (فصبر) فلي أسوة به.
والحاصل أن النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل بل غضب من قول المنقول عنه ثم حلم عنه وصبر على أذاه استئساءً بموسى ﵇ وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] قال الحافظ: وقد تقدمت الإشارة إلى أن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد وأما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق ويجتنب الأذى فلا وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح الإمساك عن ذلك اهـ.