وزيِّه وقيده وإشارته ــ ولو إلى أفضل منه ــ استهجن ذلك، ورآه نقصًا، وسقوطًا من أعين النَّاس، وانحطاطًا لرتبته عندهم (¬١).
وهذا شأن الكذَّاب (¬٢) العامل على عمارة نفسه ومرتبته (¬٣). ولو كان عاملًا على مراد الله منه، وعلى الصِّدق مع الله= لأثقلته تلك القيود، وحبسته تلك الرُّسوم، ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه (¬٤).
فكلام أبي القاسم الجنيد ﵀ حقٌّ، كلامُ راسخٍ في الصِّدق، عالمٍ بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب.
وأيضًا: فحمل الصِّدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلَّا أصحاب العزائم، فهم يتقلَّبون تحته تقلُّب الحامل بحمله الثقيل. والرِّياء والكذب خفيفٌ كالرِّيشة لا يجد له صاحبه (¬٥) ثقلًا البتَّة، فهو حاملٌ له في أيِّ موضعٍ اتَّفق، بلا تعبٍ ولا كلفةٍ ولا مشقَّة، ولا يتقلَّب تحت حمله ولا يجد ثقله.
وقال بعضهم: لم يَشَمَّ روائح الصِّدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره (¬٦).