وكلُّهم تكلَّم في (القبض والبسط) على هذا المنهج، حتَّى جعلوه أقسامًا: قبض تأديبٍ، وقبض تهذيبٍ، وقبض جمعٍ، وقبض تفريقٍ. ولهذا يمتنع به صاحبُه إذا تمكَّن منه من الأكل، والشُّرب، والكلام، وفعل (¬١) الأوراد، والانبساط إلى الأهل وغيرهم.
فقبض التأديب يكون عقوبةً على غفلةٍ، أو خاطر سوءٍ، أو فكرةٍ رديئةٍ.
وقبض التهذيب يكون إعدادًا لبسطٍ عظيمٍ (¬٢) شأنه يأتي بعده، فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدِّمة له، كما كان الغتُّ والغطُّ (¬٣) مقدِّمةً بين يدي الوحي وإعدادًا لوروده. وهكذا الشدَّة مقدِّمةٌ بين يدي الفرج، والبلاء مقدِّمةٌ بين يدي العافية، والخوف الشديد مقدِّمةٌ بين يدي الأمن، وقد جرت (¬٤) سنَّة الله سبحانه أنّ هذه الأمور النافعة المحبوبة إنَّما يُدخَل إليها من أبواب أضدادها.
وأمَّا قبض الجمع: فهو ما يحصل للقلب حالة جمعيَّته على الله من انقباضه عن العالم وما فيه، فلا يبقى فيه فضلٌ ولا سعةٌ لغير من اجتمع قلبه