يكرهه، وموالاةُ من والاه ومعاداةُ من عاداه؛ وأصلُ ذلك: الحبُّ فيه والبغض فيه. وحظُّ الحقيقة الكونيّة: إفرادُه بالافتقارِ إليه، والاستعانةِ به، والتّوكُّلِ عليه، والالتجاءِ إليه؛ وإفرادُه بالسُّؤالِ والطَّلبِ والتّذلُّلِ له والخضوعِ، والتّحقُّقُ بأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يملكُ أحدٌ سواه لهم (¬١) ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأنّه مقلِّبُ (¬٢) القلوب، فقلوبُهم ونواصيهم بيده، وأنّه ما من قلبٍ إلّا وهو بين إصبعَين من أصابعه، إن شاء أن يُقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه.
فلهذه الحقيقة عبوديّةٌ، ولهذه الحقيقة عبوديّةٌ (¬٣)، ولا تُبطِل إحداهما الأخرى (¬٤)، بل لا تتمُّ إلّا بها، ولا تتمُّ العبوديّة إلّا بمجموعهما. وهذا حقيقة قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بخلاف من أبطل حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال: إنّها جمعٌ، و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ. وإذا غلا في هذا المشهد لم يستحسِنْ حسنةً، ولم يستقبِحْ قبيحةً. ويصرِّح بذلك ويقول: العارف لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح قبيحةً لاستبصاره بسرِّ القدر (¬٥).