وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أمَا إنَّ عبدي فلانًا مرِضَ فلم تعُدْه، أمَا لو عُدْتَه لوجدتَني عنده" (¬١). فقال في عيادة المريض: "لوجدتَني عنده"، وقال في الإطعام والإسقاء: "لوجدتَ ذلك عندي"، ففرَّق بينهما، فإنَّ المريضَ مكسورُ القلب ولو كان من كان، فلا بدَّ أن يكسره المرضُ، فإذا كان مؤمنًا قد انكسر قلبُه بالمرض كان الله عنده (¬٢).
وهذا ــ والله أعلم ــ هو السِّرُّ في استجابة دعوة الثّلاثة: المظلوم، والمسافر، والصّائم للكَسْرة التي في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم، فإنَّ غربة المسافر وكسْرتَه ممّا يجده العبدُ في نفسه، وكذلك الصَّومُ فإنَّه يكسِر سورةَ النَّفس السَّبُعيّةِ الحيوانيّةِ ويُذلُّها.
والقصدُ: أنّ شمعةَ الخير والفضل والعطايا إنَّما تنزل في شَمْعَدَانِ (¬٣) الانكسار، وللعاصي التّائبِ من ذلك نصيبٌ وافرٌ (¬٤). يوضِّحه:
الوجه الخامس: أنَّ الذَّنبَ قد يكون أنفعَ للعبد ــ إذا اقترنت به التَّوبةُ ــ من كثيرٍ من الطَّاعات. وهذا معنى قول بعض السَّلف: قد يعمل العبدُ الذَّنبَ (¬٥) فيدخل به الجنَّةَ، ويعملُ الطَّاعةَ فيدخلُ بها النَّارَ. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذَّنبَ فلا يزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن