ولأنَّ الخُلَّةَ تَقعُ لأفعالٍ (¬١) تُكتسَب، فيعلو بها أمرُه، فيَستوجِبُ بها الخلَّةَ بمعنى الجزاء، فأمَّا البنوَّة فلا تكون لأفعالٍ تُكتسَب، بل بدؤها مِن مولده، وقد نَفى اللَّهُ تعالى عن نفسِه ما به يكونُ الولدُ بقولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
ولأنَّ الخلَّةَ يَجوزُ القولُ بها تحقيقًا وتسميةً؛ أمَّا التَّحقيقُ؛ فلأنَّها إيثارٌ ورِضى واختصاصٌ من اللَّه، وهو جائزٌ، والتَّسميةُ وردَ بها الشَّرعُ، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فأمَّا البنوَّة فلا تجوزُ تحقيقًا؛ لأنَّها تدلُّ على الجنسيَّة والبعضيَّة، وهي نقيصةٌ منفيةٌ، ولم يَرِد بإطلاقِها الشَّرع، فبَطَل القولُ بها.
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قيل: أي: عزيرٌ وعيسى والملائكةُ كلُّهم مُطيعونَ له، مُقِرُّون له بالعبوديَّة. والقُنوتُ: الطَّاعة، وإنْ صُرِفَ إلى كلِّ مَن في السَّماوات والأرض؛ فالمسلمُ له مُطِيعٌ طَوْعًا، والكافرُ كرهًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، ولأنَّ المسلمَ مطيعٌ له اختيارًا، والكافرُ (¬٢) اضطرارًا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقيل: القُنوتُ: الدُّعاء، ومنه قنوتُ الوتر، والمؤمنُ يَدعو اللَّهَ تعالى أبدًا، والكافرُ عند الضَّرورة، كما تلونا من الآية.
والقنوتُ أيضًا: القيامُ، قال النبيُّ ﷺ: "أفضلُ الصَّلاةِ طولُ القنوت" (¬٣)،