وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ النَّصبُ على أنَّه خبرُ ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، وتقديره: توليةُ وجوهِكم، وهو رفعٌ؛ لأنَّه اسمُ ﴿لَيْسَ﴾، وهو قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص.
والرَّفعُ على أنَّه اسمُ ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ نصب لأنَّه خبر ﴿لَيْسَ﴾، وهو قراءة الباقين (¬١).
ولمَّا نزلَ قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وأُضمِرَ فيه: فكفروا به؛ قالوا: إنَّا لا نكفرُ، بل نُصلِّي للَّه ونؤمنُ به، فنزل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾ كفعل النصارى، أو قِبَلَ المغربِ، كفعل اليهود، فذاك منسوخٌ، فهو إثمٌ لا برٌّ.
وإنْ حمل (¬٢) على استقبال بيت المقدس حين كان الأمرُ به، وعلى استقبالِ الكعبة بعد النَّسخ، فمعناه: ليس كلُّ البرِّ هذا؛ أي: لا يقعُ التَّقرُّبُ إلى اللَّه باستقبالِ الكعبة (¬٣) بالصَّلاة وحدَها، بل بأمورٍ أُخَرَ معها، قد أمرَ اللَّهُ تعالى عبادَه بها؛ لأنَّ أمرَ القِبلة مِن فروع الدِّين (¬٤) التي يجوزُ نسخُها، وهذه الأمورُ الأُخر المذكورةُ في الآيةِ من أصول الدِّين التي لا تُنسخ؛ لأنَّها إيمانٌ باللَّه، وبأنبيائه، وكتبه (¬٥)، ونحو ذلك، فمَن جحدَها، أو جحدَ شيئًا منها، فليس من الأبرار.
والبِرُّ: اسمٌ جامعٌ للطَّاعات وأعمالِ الخير، ومنه: بِرُّ الوالدَين، وبِرُّ اليمين، وبِرُّ الكلام، وبِرُّ الأيتام، وهو ضدُّ الفجورِ أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ