وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: يَتَّصلون ويَلتجئون إلى قومٍ مِن أهل عهدكم بعهدٍ وأمانٍ؛ أي: إذا قَصدوا حضرةَ النبيِّ ﷺ، وتعذَّر الوصولُ إليه؛ فالتجؤوا إلى قومٍ معهم للمسلمين عهدٌ، فأمَّنوهم، فأنْفِذُوا أمانَهم، ولا تَقتلوهم. وما قاله أبو عبيدة: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي: ينتسبون (¬١)؛ فليس بسديدٍ؛ لأنَّ أكثرَ أهلِ مكَّةَ أنسباءُ رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، ولم يثبت لهم به أمانٌ، والصَّحيحُ ما قلنا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هذا استثناءُ حالةٍ أُخرى يَأمنون بها، وجاؤوا ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه عطفٌ على ﴿يَصِلُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ أي: يأتي، يعني: وإلَّا الذين يجيئون مستأمِنين منكم. وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: ضاقت.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ وضيقُ صدورِهم عن قتال المؤمنين بإلقاءِ اللَّه تعالى الرُّعبَ في قلوبِهم، وضيقُ صدورِهم عن قتالهم (¬٢) قومَهم أنَّهم على دينِهم، فكانوا لا يصلون إلى نهب الأموال.
وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في معنى الحال؛ كما يقال: جاءني فلانٌ ذهبَ عقلُه؛ أي: ذاهبًا عقله.
وقال سيبويه والمبرِّد: لا يجوز الحال بالماضي؛ لأنَّ الحال اسمٌ، والماضي بعيدٌ عن شبه الاسم، بخلاف المستقبل، لكنَّه على طريق الدُّعاء؛ كقوله: ﴿لُعِنُوْا﴾ [النور: ٢٣]، ﴿وَقُتِّلُوا﴾ [الأحزاب: ٦١] (¬٣).