فنشروا المصاحفَ حولَه، فقال له جعفر: نعم، فقال: هلمَّ فاتْلُ عليَّ ما جاءَ به، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى واللَّه النَّجاشيُّ حتَّى اخضلَّتْ لحيتُه، وبكى أساقفَتُه حتَّى أخْضَلوا مصاحفَهم، ثمَّ قال: إنَّ هذا الكلامَ ليَخرجُ مِن المشكاةِ التي جاء بها عيسى (¬١)، انْطلِقوا راشِدينَ، لا واللَّه، لا أردُّهم عليكم، ولا أنعمُكم عينًا، فخَرجوا من عنده.
وكان أتقى الرَّجلين (¬٢) عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فقال عمرو بن العاص: واللَّه لآتينَّهُ غدًا بما استأصِلُ به خضراءَهم، فلأُخبِرنَّه أنَّهم يَزعُمون أنَّ إلهه (¬٣) الذي يعبدُ عيسى بنَ مريم عبدٌ، فقال له عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تفعل؛ لأنَّهم وإنْ كانوا خالَفونا فإنَّ لهم رَحِمًا، ولهم حقًّا، فقال: واللَّه لأفعلنَّ.
فلمَّا كان الغدُ دخلَ عليه فقال: أيُّها الملك، إنَّهم يَقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسِلْ إليهم فسَلهُم عنه، فبعث إليهم، فدخلوا عليه وعنده بطارقتُه، فقال: ما تَقولون في عيسى بنِ مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبدُ اللَّه، ورسولُه، وكلمتُه، وروحُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتول، فدلَّى النَّجاشيُّ يدَه إلى الأرض، فأخذ عويدًا بين أصبعيه، فقال: ما عدا عيسى بنُ مريم ما قلت هذا العويد (¬٤)، فتناخرَت بطارقتُه، فقال: وإن تَناخرتُم واللَّه، اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي؛ مَن سَبَّكُم غَرِمَ، ثمَّ مَن سبَّكم غَرِمَ، ثمَّ مَن سبَّكم غَرِم، ما أحبُّ أنَّ لي ذهبًا [وأنِّي آذيتُ رجلًا منكم]،