وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾: فالتَّقوى: العملُ بالطَّاعات وتركُ السَّيئات، والصَّبرُ: تحمُّلُ المكروهات. وكان ذلك كلُّه ليوسف.
وقال ابن عبَّاس ﵄: مَن يتَّقِ الزِّنى، ويصبرْ على العزوبة (¬١).
وتقديرُه: فهو محسِنٌ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قالوا في خطابِه قبلَ أن يعرفوه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، فلمَّا عرَفوه قالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ لأنَّ الأجنبيَّة إذا ارتفعَتْ سقطَ تكلُّفُ المخاطبة.
وأنشدوا فيه:
إذا صفَتِ المودَّةُ بينَ قومٍ... ودامَ ولاؤُهم سَمِجَ الثَّناءُ (¬٢)
وقال الشَّيخ أبو عليٍّ الدَّقاق: لَمَّا قال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأحالَ استحقاقَ الأجر على عملٍ من التَّقوى والصَّبر، أنطقَهم اللَّهُ تعالى حتَى أجابوه بلسان التَّوحيد فقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ يعني: أنَّ هذا ليس بتقواكَ وصبرِكَ، إنَّما بإيثار اللَّه إيَّاكَ علينا، فبهِ تقدَّمْتَ علينا لا بجهدِكَ، فقال يوسف صلوات اللَّه عليه على جهة الانقياد للحقِّ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، فأسقط عنهم اللَّوم؛ لأنَّه كما لم يرَ تقواه وصبرَه من نفسِه حيث نبَّهوه عليه، لم يرَ جفاءَهم منهم (¬٣)، فنطقَ عن عين التَّوحيد، وأخبر عن شهود التَّقدير (¬٤).
* * *