وقال القشيريُّ ﵀: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ حتى كان لنا بالكليَّة، ولم يكن فيه لغيرنا بقيَّة (¬١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: في عداد مَن يأتي وقد انتفى عنه وعن أعماله الفساد، فاستحقَّ كلَّ منزلة رفيعة ودرجة عالية، وقد فسَّرناه في (سورة البقرة) بأتمَّ من هذا.
وقيل: سمَّاه أمَّةً تسليةً للنَّبيِّ ﷺ في كثرة المكذِّبين به من قومِه؛ إذ كان إبراهيمُ أمَّة وحده (¬٢) في الإيمان، لم يكن معه غيره، ثم كثَّرَ اللَّهُ ذرِّيَّتَه، وكان منهم الأنبياء إلى قيام السَّاعة، فكذا يفعل اللَّهُ بك في تكثير أمَّتك ونشر دعوتك.
* * *
(١٢٣) - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: مدحَه اللَّه بخمسةِ أشياء: سمَّاه أمَّة، قانتًا للَّه، حنيفًا، غيرَ مشركٍ، شاكرًا.
وأكرمه بخمس كرامات: اجتباه، وهداه، وآتاه حسنة الدُّنيا، وكرامة الآخرة، وأمر محمَّدًا ﷺ باتِّباع ملَّته.
ثم الأمرُ بالاتِّباع لا يدلُّ على أنَّه دون إبراهيم في الفضيلة، بل هو ﷺ أفضلُ الأنبياء، وإنَّما أُمر باتِّباع إبراهيم في هذه الآية، وباتِّباع كلِّ الأنبياء المتقدِّمين في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]؛ لأنَّهم سبقوه، والاتِّباع هو سلوكُ سبيل المتبوع، فكان اتِّباعُه لهم لمجيئِه بعدَهم، لا لكونه دونهم.