فأخذ الهدهد هذا الكتاب برجله فانطلق يهوي به حتى اقتحم عليها من كوة البيت، فوضع الكتاب في يمينها وهي قاعدة على عرشها، فمُلئت من ذلك عجبًا، ثم ارتفع الهدهد فوقع (¬١) فوق الحائط، فلما وجدت في الكتاب اسم سليمان خرجت إلى الهدهد فقالت: مَن أرسلك إليَّ؟ فأنطقه اللَّه قال: أرسلني إليك ملكُ الجن والإنس والطير والريح والشياطين، قالت: ما أُراك كذبتَ، لولا أنه كما تقول ما طعتَ له بالرسالة، ثم جمعت قومًا من قوَّادها وأهلِ مشورتها وأسفرت عن وجهها والهدهدُ مكانَه، فقالت لهم: ما كنتُ أحسب أن فوق ملككم ملكًا حتى جاءني رسول ملك الجن والإنس والشياطين والطير والريح، قالوا لها: فأين هو الرسول الذي جاءك قالت: هو هذا، وأشارت إلى الهدهد فأقبلوا عليه يكلمونه فلم يُجبهم، وقرأت عليهم كتاب سليمان، وسألتهم عن الرأي، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾: أي: أشيروا عليَّ فيما حدث لي من هذا الأمر: ماذا أصنع؟
﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾: أي: منفِّذةً عزمًا ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أنتم؛ أي: تحضرون فأشاورَكم وأمضيَه على اتِّفاق منكم، استعطفَتْهم وراعَتْهم فاحترموها، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.