فتقدَّمَهما سلمانُ ذاتَ يومٍ إلى المنزل، فغَلَبَتْه عيناه فلم يُهَيِّئْ لهما شيئًا، فهجَما عليه، وقالا: ما أصْلَحْتَ لنا شيئًا؟! قال: غلَبَتْني عيناي، فنمتُ عن شأْني، فبعثاه إلى رسول اللَّه ﷺ يبتغي لهما إِدامًا، فلم يجِدْ عنده شيئًا، وكان أسامةُ بنُ زيدٍ خازنُ رسولِ اللَّه ﷺ على رَحْلِه، فوجَّهَه رسول اللَّه ﷺ إلى أسامةَ، وقال له: "قل له: إنْ كان عنده فَضْلٌ فليُعْطِ"، فأتى سلمانُ أسامةَ، فأخبرَه بذلك، فقال: ما عندي شيءٌ، فرجَعَ إليهما سلمانُ فأخبرَهما، فعند ذلك قالا: لو بعَثْناه إلى بئر سُمَيحةَ (¬١) لغارَ ماؤُها، فكان هذا غَيْبَتَهما، فلما رجَعا (¬٢) إلى رسول اللَّه ﷺ قال لهما: "ما لي أرى حُمْرَةَ اللَّحمِ في أفواهكما؟! "، فقالا: ما تناوَلْنا لَحْمًا، فقال لهما: "إنكما اغتبتُما" -والغِيبةُ: أنْ يذكُرَ الرجلُ مَن خَلْفَه بما يكرَهُه إذا سمِعَه، وهو يعدِلُ أكلَ لحمِه ميتًا- فقالا لرسول اللَّه ﷺ: ما عَلِمْنا أنه حرامُ علينا، ونحن نكرَهُ ذلك أيضًا، فقال ﵊: "فكما كرِهْتُما أنْ تأكُلا لحمَ أخيكُما ميتًا، فلا تغتاباه"، ونزلت الآية (¬٣).
وقيل: إنهما كانا (¬٤) يتَجَسَّسان رَحْلَ أُسامةَ، فنزلَت فيهما: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
وهذه الخِلالُ الثلاثُ؛ أي: الظَّنُّ السُّوءُ، والتَّجَسُّسُ، والاغتيابُ، بمرتبةٍ في الفعل، فإنَّ مَن أساءَ الظَّنَّ بأخيه المسلم تجسَّسَ ما ظنَّه، فإذا تحقَّقَ ذلك عنده اغتابَه.