الثَّامِنَةُ- لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ أَنَّهُ يَحِلُّ مَكَانَهُ بِنَفْسِ الْكَسْرِ غَيْرُ أَبِي ثَوْرٍ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَنْ كُسِرَ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ يَحِلُّ، فَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَحِلُّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَحِلُّهُ غَيْرُهُ. وَمَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: يَحِلُّ بِالنِّيَّةِ وَفِعْلِ مَا يَتَحَلَّلُ بِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ. التَّاسِعَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْإِحْصَارَ عَامٌّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا إِحْصَارَ فِي الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ لَكِنْ فِي الصَّبْرِ إِلَى زَوَالِ الْعُذْرِ ضَرَرٌ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتِ الْآيَةُ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ أَوِ الْمَرَضُ فَلَا يَحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِنَصِ الْخَبَرِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. الْعَاشِرَةُ- الْحَاصِرُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ وَلَوْ وَثِقَ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَيَتَحَلَّلُ بِمَوْضِعِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ سَأَلَ الْكَافِرُ جُعْلًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَهْنٌ فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ بِحَالٍ، وَوَجَبَ التَّحَلُّلُ، فَإِنْ طَلَبَ شَيْئًا وَيَتَخَلَّى عَنِ الطَّرِيقِ جَازَ دَفْعُهُ، وَلَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَافِ الْمُهَجِ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الدِّينَ أَسْمَحُ. وَأَمَّا بَذْلُ الْجُعْلِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِهِمَا، وَلِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا يُنْفَقُ فِيهِ الْمَالُ، فَيُعَدُّ هَذَا مِنَ النَّفَقَةِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- وَالْعَدُوُّ الْحَاصِرُ لَا يَخْلُو أَنْ يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أولا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَلَّ الْمُحْصَرُ مَكَانَهُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ مَحْصُورًا حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مِقْدَارٌ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ زَالَ الْعَدُوُّ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ، فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَحِلُّ مَنْ حُصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرُوحَ النَّاسُ إِلَى عَرَفَةَ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ هَذَا وَقْتُ يَأْسٍ مِنْ إِكْمَالِ حَجِّهِ لِعَدُوٍّ غَالِبٍ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ فِيهِ، أَصْلُ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ. ووجه
Kitab: Tafsir al-Qurthubi · Pengarang: القرطبي
Baca Juz 2, halaman 377
Rujukan halaman ini: تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 377 (SanadKitab #20855, hlm. urut 849)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.