مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ يَكْفِيهَا، وَلَا يُجْزِي عِنْدَهُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ بَعْضِ الْقُرُونِ وَتُبْقِيَ بَعْضًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُجْزِي مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ تَقْصِيرٍ، وَأَحْوَطُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ الْقُرُونِ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. السَّادِسَةُ- لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحِلَاقِ. وَالْأَصْلُ فِي ذلك قوله تعالى:" وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ"، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَدَأَ فَنَحَرَ هَدْيَهُ ثُمَّ حَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدَّمَ الْحِلَاقَ قَبْلَ النَّحْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَدِّمَهُ خَطَأً وَجَهْلًا أَوْ عمدا وقصدا، فإن كان الأول فلا شي عَلَيْهِ، رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحَلْقِ عَلَى النَّحْرِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: (لَا حَرَجَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَقَالَ: (لَا حَرَجَ). السَّابِعَةُ- لَا خِلَافَ أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ فِي الْحَجِّ نُسُكٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَفِي غَيْرِ الْحَجِّ جَائِزٌ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُثْلَةٌ، وَلَوْ كَانَ مُثْلَةً مَا جَازَ فِي الْحَجِّ وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَدْ حَلَقَ رُءُوسَ بَنِي جَعْفَرٍ بَعْدَ أَنْ أَتَاهُ قَتْلُهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ لَمْ يَجُزِ الْحَلْقُ مَا حَلَقَهُمْ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَحْلِقُ رَأْسَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَبْسِ الشَّعْرِ وَعَلَى إِبَاحَةِ الْحَلْقِ. وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" فيه تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً" اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْعَدُوُّ لَا الْمَرَضُ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ:" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ" فَحَلَقَ" فَفِدْيَةٌ" أَيْ فعليه فدية، وإذا كان هذا وَارِدًا فِي الْمَرَضِ
Kitab: Tafsir al-Qurthubi · Pengarang: القرطبي
Baca Juz 2, halaman 382
Rujukan halaman ini: تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 382 (SanadKitab #20855, hlm. urut 854)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.