وكان يعملها في بريةٍ بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقتٍ عزَّ الماء فيه عزةً شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) يعني: في المستقبل (كَما تَسْخَرُونَ) منا الساعة، أي: نسخر منكم سخريةً مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا، أو: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناءً على ظاهر الحال، كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق.
وروي أنّ نوحًا ﵇ اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ما سبق منه من الدعاء عليهم: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح: ٢٦]، لكن جيء به لما عسى أن تدخله أريحية الرحم، ويؤكد ذلك إيقاع قوله: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) جواباً لسائل، وتأكيده بـ "إن".
قوله: (في برية بهماء): البهماء: الفلاة التي لا يهتدى لطرقها، ولا ماء فيها، ولا علم بها.
قوله: (إن تستجهلونا فيما نصنع، فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر): سمى سخريتهم استجهالاً، لأن السخرية في مثل هذا المقام من باب السفه والجهل، لأنها التعرض لسخط الله وعذابه، نحوه جواب موسى ﵇: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [البقرة: ٦٧] عن قولهم: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً)، وهو من إطلاق المسبب على السبب.