غيرهم، ثم التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة لم يحتفلوا بهذا اليوم. أفتظن أن هؤلاء كلهم جهلوا حقه أو قصروا فيه حتى جاء المتأخرون فأبانوا هذا النقص وكملوا هذا الحق؟ لا والله، ولن يقول هذا عاقل يعرف حال الصحابة وأتباعهم بإحسان. وإذا علمت أيها القاريء الكريم أن الاحتفال بيوم المولد النبوي لم يكن موجودا في عهده ﷺ ولا في عهد أصحابه الكرام، ولا في عهد أتباعهم في الصدر الأول، ولا كان معروفا عندهم - علمت أنه بدعة محدثة في الدين، لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا الدعوة إليها، بل يجب إنكارها والتحذير منها عملا بقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: «خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (١) » وقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٢) » وقوله ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣) » وفي لفظ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤) » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ومعلوم عند كل من له أدنى مسكة من علم وبصيرة أن تعظيم النبي ﷺ لا يكون بالبدع كالاحتفال بيوم المولد، وإنما يكون بمحبته واتباع شريعته وتعظيمها والدعوة إليها ومحاربة ما خالفها من البدع والأهواء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦) وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٧) » خرجه البخاري في صحيحه.
وتعظيمه ﷺ لا ينبغي أن يكون في وقت دون آخر، ولا في السنة مرة واحدة، بل هذا العمل نوع من الهجران، وإنما الواجب