- ٩٣ - وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا أَنْعَمُ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدنيوية، وقوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ قِيلَ: هُوَ بِلَادُ مِصْرَ وَالشَّامِ مما يلي بين الْمَقْدِسِ وَنَوَاحِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، اسْتَقَرَّتْ يَدُ الدَّوْلَةِ الْمُوسَوِيَّةِ عَلَى بلاد مصر بكمالها، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إسرائيل﴾، وقال: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وعيون﴾ الآيات، وَلَكِنْ اسْتَمَرُّوا مَعَ مُوسَى ﵇ طَالِبِينَ إِلَى بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ بِلَادُ الْخَلِيلِ ﵇ فَاسْتَمَرَّ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ طَالِبًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ فِيهِ قَوْمٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ، فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم، فَشَرَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِيهِ هَارُونُ، ثُمَّ مُوسَى ﵉، وَخَرَجُوا بَعْدَهُمَا مَعَ (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ أَخْذَهَا مِنْهُمْ بُخْتُنَصَّرُ حِينًا مِنَ الدهر، ثم انتزعها الصحابة ﵃ من يد النصارى، وكان فتح بيت المقدس عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ الْحَلَالِ مِنَ الرِّزْقِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ الْمُسْتَطَابِ طَبْعًا وَشَرْعًا، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أَيْ مَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَائِلِ إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ، أَيْ وَلَمْ يَكُنْ لهم أن يختلفوا، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى