- ٣٧ - رَّبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ ثَانٍ بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَعَا بِهِ عِنْدَمَا وَلَّى عَنْ هَاجَرَ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ بِنَائِهِ تَأْكِيدًا وَرَغْبَةً إِلَى اللَّهِ ﷿، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة﴾ أَيْ إِنَّمَا جَعَلْتَهُ مُحَرَّمًا لِيَتَمَكَّنَ أَهْلُهُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تهوي إِلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس (وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما): لَوْ قَالَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ لَازْدَحَمَ عَلَيْهِ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختُص بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى طَاعَتِكَ، وَكَمَا أَنَّهُ وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ فَاجْعَلْ لَهُمْ ثِمَارًا يَأْكُلُونَهَا، وَقَدِ اسْتَجَابَ الله ذلك، كما قال: ﴿أو لم نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كل شيء رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ أنه لس فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ (مَكَّةَ) شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ، وَهِيَ تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء الخليل ﵇.